محمد منصور
الجريمة الكبرى بحق شهداء مجزرة الكيماوي أن يمر هذا الحدث مرور الكرام في مفكرتنا الشخصية وتقويمنا السنوي.
نعم إنها جريمة كبرى بكل المقاييس الإنسانية والوطنية… وبكل مقاييس الشعوب الحية التي دفعت أثمانًا باهظة من أجل حريتها وكرامة أبنائها ومستقبل بلادها، فمازال اليابانيون يحيون كلّ عام ذكرى قصف الولايات المتحدة الأميركية لهيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية قبل ثمانين عاماً خلال الحرب العالمية الثانية.
كانت اليابان جزءًا من تلك الحرب، وقد ضربت من قبل أعدائها، أما في غوطتي دمشق، فقد واجه السوريون استخدام السلاح الكيماوي ضدهم، من قبل نظام يفترض أنه نظامهم الوطني، الذي كان يمثلهم في الأمم المتحدة… فهل على الذاكرة الوطنية أن تنسى، أو تتهاون، أو تتقاعس في فهم دلالات وفداحة هذه الجريمة؟َ!
لقد كان استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي على نطاق واسع في مجزرة الأربعاء الأسود فجر الحادي والعشرين من آب/أغسطس عام 2013، نقطة تحول فاصلة في إسقاط صفة النظام الوطني التي كان يتشدق بها مندوبه في مناكفاته الشهيرة بجلسات مجلس الأمن وهو يستخدم عبارة “حكومة بلادي”. جاءت هذه الجريمة المروعة لتثبت لكل المراهنين على أي إحساس بالمسؤولية الأخلاقية أو الوطنية لدى هذا النظام، أنه تجاوز أعتى أنظمة الاحتلال التي مرت على هذه البلاد وتفوق عليها، في اعتبار السوريين هم عدوه الأول.
كان استخدام السلاح الكيماوي علامة سوداء وفارقة في التاريخ السوري المعاصر، منذ أسس حافظ الأسد برنامج الأسلحة الكيميائية في سورية في سبعينات القرن العشرين ليبدأ إنتاجه بدأ في منتصف الثمانينات. يقر مؤيدو الأسد الأب قبل معارضيه أن هذا السلاح لم يكن معداً للاستخدام ضد الأعداء الخارجيين، وضد العدو التقليدي “إسرائيل” التي رفع حافظ الأسد في وجهها شعار: “التوازن الاستراتيجي” وبالتأكيد لم يكن الابن ليتورط في خيار كهذا. كان هذا السلاح معدًا من أجل تركيع السوريين في اللحظات التي يشعر فيها النظام أنه مهدد بالسقوط من الداخل، وجاءت مجزرة الكيماوي الكبرى عام 2013، والتي أتبعها الأسد الهارب بمجزرتي دوما وخان شيخون عام 2017 لتؤكد بالبرهان العملي أن المستهدف بهذا السلاح هو الشعب الذي حُكم طيلة أكثر من نصف قرن بالحديد والنار.
ومن أسف أن العديد من المثقفين قد أنكروا المجزرة، وخانوا ضمير الأدب وروحه، وألفوا روايات مرتبكة حول قيام الثوار بخطف أطفال من الساحل ووضعهم في الغوطة المحاصرة وقتلهم بالسلاح الكيماوي، حسب الرواية الشهيرة التي تحدثت بها بثينة شعبان إثر انتشار صور وأخبار المجزرة (وهي عضو اتحاد الكتاب العرب في حينه)، كما تورط الكاتب حسن م يوسف في فيلم (رجل الثورة) الذي أخرجه نجدت أنزور في الزعم أن الجهاديين هم من ضربوا السوريين بالكيماوي ليتهموا النظام ويكسبوا التعاطف العالمي.
سقط هؤلاء وغيرهم، وبينهم فنانون ونجوم، في وحل مناصرة جريمة كبرى ضد الإنسانية، ولن ينسى السوريون ما قالوه وما كتبوه وفي رأس واحد ممن شهد أهوال المجزرة ذاكرة تنبض بالألم. لقد جاء الإعلان الدستوري في سوريا الجديدة ليجرم من ينكر جرائم النظام البائد ومجزرة الكيماوي واحدة من كبرياتها… فيما جاء استقبال الرئيس أحمد الشرع للناجين من المجزرة في قصر الشعب قبل أيام، ليؤكد أن سوريا محالتي تبني وتنهض لن تنسى ولن تسامح… وستبقى وفية لكل شهيد ارتقى في معركة استعادة حرية الشعب السوري وكرامته.
افتتاحية العدد 1920 من جريدة الأسبوع الأدبي الصادرة بتاريخ 28/8/2025
