سراج الجراد
إنَّها تسميةُ الأستاذ (نظير زيتون) الذي خاطبه قائلًا: «نعم أنتَ محامٍ، وأنت موسوعةٌ تاريخيَّةٌ اقتصاديَّةٌ شعبيَّةٌ للفرات، وأنت بهذه (الموسوعة الفراتيَّة البِكر) التي لم تطرقها أقلام الكتّاب، سفيرٌ روحيٌّ للفرات ندَبَتهُ العناية الحكيمة للتَّنقيب عن تاريخ ضاع في مجاهل التّاريخ… ولكنّك في نظري ونظر مَن عرفوك وخبروك وسبروا غورك وقدّروك، أنت أيضًا موسوعةٌ تاريخيَّةٌ اقتصاديَّةٌ شعبيَّةٌ للفرات السّوريّ وقلادة من الزّمرّد في جِيد سوريَّة، وتاج من اللازورد على رأس سوريَّة وسوار من الماس والياقوت في معصم سوريَّة، إنَّ مؤلّفاتك الثَّمينة فتَحَتِ العيون على عالم خير شبهِ مجهولٍ في وطننا الحبيب، وأنت بهذه الموسوعة الفراتيَّة البِكر التي لم تطرقها أقلامُ الكتّاب، سفيرٌ للفرات، غير أنّك لستَ كسائر السّفراء، سفيرٌ فكريٌّ روحي، جاب العصور النّائية باحثًا عن كنوز طَوتها ظلمةُ البصائر عن الأبصار، لتحملَ رسالة الفرات، وتنشر ما حَفلَ به من مأثورات، وما حَملت أرضه في بطنها من ثروات، وما اشتهر به شعبهُ من شمائل وتقاليد وعادات، كلُّ هذا لمحتهُ من خلال (صوت الفرات) ومؤلَّفاتك الخصبة التي قادتني إلى عالمٍ سوريٍّ مجهول، وإلى مجتمعٍ عريق الأصول».
اضطرَّ عبد القادر عيّاش إلى أن يطبع مؤلّفاته في دمشق بسبب خُلوِّ مدينته من المطبعة الحديثة، وكان يتكلَّف نفقات السَّفر لطبع الكتاب الواحد، فضلًا عمّا تقتضيه الإقامة في دمشق من الأيّام، وما كان تحمّله نفقات طبع كُتبه –على ما في هذه النّفقات من إرهاق زائد له- هو ولعه بالأدب والتّأليف وشغفه بالعطاء الأدبيّ، إنَّهُ رحيقه ومتنفَّسه، وليس من أجل عائداته، فهي معدومة، وبرغمها يستمرُّ عطاؤه.
كانت هذه الموسوعة شغله الشَّاغل، ينامُ ويصحو وهو يلهج بذكرها، تناول فيها مدينته من ألفها إلى يائها، دوَّنَ فيها تاريخها وعاداتها وتقاليدها ولهجتها ورجالاتها وكلَّ مَنْ كتبَ عنها أو مرَّ بها، واصلَ الليل بالنَّهار حتّى يحفظَ هذا الموروث الهائل من الضَّياع، سعى إلى مَن تتوفَّر لديهم أيَّة معلومةٍ أو وثيقة أو حتَّى بيت شعر يخصُّ مدينته حتّى أطلقَ عليه أحدُ أصدقائه لقبَ (مجنون الفرات)، وبرغم كلِّ الظّروف الصَّعبة التي مرَّ بها، إلا أنَّه واصل الطريق حتّى أنجزَ هذا الكمَّ الكبير من الأبحاث والموضوعات المتعلِّقة بمدينته، وكأنَّ قول الشّاعر كُتب فيه:
| وصابرٌ تلهجُ الدُّنيا بنكبَتِهِ | تخالهُ من جميلِ الصَّبرِ ما نُكِبا |
إنَّ الأبحاث التي تطرَّق إليها في الكتابة تشملُ سلسلة تحقيقات فولكلوريَّة عن وادي الفرات، لم تطرقها أقلام الكتَّاب من قبل، وقد كتبها بأسلوبٍ بسيط قليل التَّزويق، والغاية من ذلك هو تقصّي بيئة وادي الفرات في كلِّ أبعادها، وهو سعيدٌ جدًّا بما بذلهُ من جهد وتعب.
(ولقد دعوت الأهلين مرارًا إلى تأسيس صناعات ومزارع جماعية ومداجن وإلى الاستفادة من أسماك الفرات وهي ثروة مهمة مع افتقارنا الشديد إلى استغلالها، ودعوات إلى تشجير المنطقة ومكافحة القذارة وأكل البزر في الشوارع ودور السينما والمحالّ العامة لأنه بصاق متواصل ويسيء إلى الذوق العام ومناف للتهذيب).
وقد يسألُ سائلٌ: وكيف كان صدى هذه الموسوعة الفراتيَّة عند الباحثين والمهتمّين العرب والسّوريين؟
(وهو سؤالٌ في غاية الأهميَّة) وسأطلعكم على ما ذكره الكثيرون من المهتمين بالتَّأريخ وممَّن اطَّلع على هذه الموسوعة وأُعجب بها، فلقد كان يُرسلُ نسخًا من كلِّ كتابٍ أُصدره ويقومُ بطباعته لكثير من المؤرِّخين والباحثين ويُقدِّمها إهداءات لهم، وقد قاموا بمراسلته والثَّناء على ما أنجزه، وقام بنشر كثير مما قالوه فيها في مقدِّمةِ كتبه أو في ختام أبحاثه لتكون دليلًا وشاهدًا على أهميَّةِ هذه الدراسات.
وسأذكر بعضَ التَّعليقات والرَّسائل التي سطَّرتها أيادي أصدقائه الباحثين:
الشَّاعر السّوري حامد حسن في (التّاريخ في حقيبة): مَن أراد أن يجمع التّاريخ في حقيبة ويرى أمَّةً في رجل، فليقرأ ما دبَّجته يراعة العلاّمة عبد القادر عيّاش ولينظر إليه، ومع أنَّ هذا الرّجل يعيش بيننا ويعملُ صامتًا فإننا لم نستطع الانتفاع بهذه الثّروة وننعم بهذا العطاء، ولعلَّ أهل النَّعيم أقلَّ إحساسًا بالنِّعمة وشعورًا بها وتقديرًا لها، تشكِّل أبحاث الأستاذ عبد القادر عيّاش في هذه الموضوعات مكتبة خاصَّة، وتعدُّ -بحقٍّ- خير مرجع للباحثين وأوسع سجلٍّ للمنقِّبين الدّارسين من العرب، ولم يقتصر نشاطه على البحث والتّأليف والنَّشر بل تعدَّى كل ذلك.
الأديب عبد السَّلام العجيليّ: كلُّ هذه المقدِّمة أسوقها في معرض حديثي عن جهود متَّصلة لفردٍ من أبناء الفرات المعاصرين ربط نفسه بعمل مهمّ ومضنٍ، هو تقصّي جوانب الحياة الحاضرة والمنقرضة في هذا الوادي، وتدوينها في دراسات متلاحقة تاريخيَّة وأدبيَّة.
المؤرِّخ فيليب حِتّي: لا أنسَ تلك المقابلة المتواضعة في دمشق مع فردٍ من بني قومنا في زاويةٍ جغرافيَّةٍ نائيةٍ، لا يكرِّسُ وقتهُ وقواه وماله لنفسه ولذويه، بل يضع بعضهُ في خدمة أبناء بلدته ووطنه دون تعويض سوى لذّة الخدمة والفائدة.
الدكتور ناصر الدّين الأسد (رئيس الجامعة الأردنيَّة): أرجو موافاة الجامعة الأردنيَّة بنسختين من كلِّ كتاب من مؤلَّفاتكم، واغتنم هذه المناسبة لأبعث إليكم بصادق تقديري لجهودكم الموفَّقة في خدمة تراثنا الشَّعبيّ.
محمد العدنانيّ: «إنَّ مؤلّفاتك ذكَّرتني بجهد النَّحل الذي يحطُّ على أزاهير الرِّياض، ليختار من كؤوسها قطرات الشَّهد ويجمعها في قرص هندسيّ دقيق جميل، كما جمعت معلوماتك الخالدة عن وادي الفرات، ووضعتها في موسوعتك التي تمتعنا بطلاوة مادتها ودقّتها، وجعلتنا نشهد لك بالفضل الكبير على سكّان وادي الفرات كافَّةً، بتسجيلك تاريخهم العريق الذي كاد الإهمال والنسيان يطمسان معاله».
الدكتور عمر الدَّقّاق: في رأس مَن أعتزُّ بصداقتهم وأُكبِر فيهم علمهم وثقافتهم الأستاذ عبد القادر عيّاش، عرفته من بعيد على صفحات مجلَّته الفريدة (صوت الفرات) ثمَّ عرفته من كثب، فرأيت في بحوثه ومتحفه وثقافته نمطًا جديدًا لا يدانيه سوى القلَّة من العلماء والمستشرقين، وإنَّ بيته عبارة عن متحفٍ ومكتبةٍ، سعدت بزيارته، وغِبْتُ في كنوزه ساعات حافلة، مرَّت سريعًا دون أن أشعر بوطأتها، مُستمتعًا بنتاج هذا العالم وأطايب بحوثه الجميلة.
الفنّان غازي الخالدي: كنتُ مشوقًا لزيارة المعبد الصّوفيّ للباحث المخلص الجاد عبد القادر عيّاش، إنَّه يحبُّ النَّاس ويحبُّ الخير، يبحث عن آثارهم، وعندما تذكر مسمعي «دير الزَّور» لا تعني لي إلا دير الزَّور عبد القادر عيّاش، لذا علَّمني من خلال زيارة واحدة أن أحترم كلَّ ما لَهُ علاقة بالإنسان».
أمّا الشَّاعر محمد الفراتيّ الذي كان شاهدًا على سيرة حياته منذ نعومةِ أظفاره، فهو من الذين كانوا يشجعون عندي هذه الهمَّة العالية، وقد كانت شهادته عنه وسامًا يعتزُّ به، حيث يقول: عرفت الأستاذ عبد القادر عيَّاش منذ نعومةِ أظفاره مثالًا للحركة الدَّائمة والعمل المتواصل، والبذل والسَّخاء، وهذا يدلُّ على حبِّهِ لوطنه الذي لا ينازعه فيهِ منازع أبدًا فهو ابن الفرات البار الذي نهلَ من معينه وتربّى على ضفافه».
ويقول الأستاذ فريد جحا عن عبد القادر عياش عند زيارته الأولى له عام 1961م: لقد رأيت العجب حقًا في دار المحامي عبد القادر العياش هذا الرجل إنسان بكلِّ معنى الكلمة يحب مدينته وقد كتب عنها مجلدات كثيرة مطبوعة ومخطوطة وقضى أكثر حياته التي قاربت الخمسين في القراءة والبحث والتقصي عن تاريخ وادي الفرات وأنشأ مكتبة جيدة ومتحفًا شعبيًا قال كل من زاره من مسؤولين وأدباء وفنانين وأجانب إن فيه أشياء كثيرة تستحق التقدير.
وقال المؤرخ فيليب متّى من جامعة برنستون: عزيزي الأستاذ عبد القادر عيّاش: رجعت إلى مقري ورأسي محشو بتذكارات ومقابلات مع الأدباء ومع أساتذة ورجال الحكومة، لكن تلك المقابلة المتواضعة في دمشق مع فرد من بني قومنا في زاوية جغرافية نائية شاذ عن القاعدة، إذ لا يكرِّس وقته وقوله وماله لنفسه ولذويه، بل يضع نفسه في خدمة أبناء بلدته ووطنه دون تعويض سوى لذة الخدمة والفائدة… حقًّا إنَّ تلك المقابلة لم يزل أثرها حيًّا مستحبًّا في ذاكرتي وسيبقى كذلك إلى أمد بعيد، فهنيئًا لك في عملك وأنت لا تحتاج إلى تنشيط فيه والأمل في شعبنا لا يزول ما دام فيه أمثالك.
كما قال عنه الدكتور صالح الأشتر: لقد سدَّ في منطقة الفرات ثغرة كبيرة لم يسدَّها غيره.
نعم إنَّها الموسوعة الفراتيَّة البكر، التي سخَّر لها عبد القادر عيّاش نفسه وروحه وجسده حتّى أنجز ما تعجز عنه مؤسَّسات علميَّة كبيرة عن إنتاج مثل ما أنتج، فقد نسي نفسه أمام بلده وأمام موروثه الفكريّ والأدبيّ والفلكلوريّ.
رحل عبد القادر عيّاش لكنَّه ترك لنا موسوعة قلّ مثيلها بين بنات جيلها، حتّى قيل: كلُّ مَنْ كتب عن الفُرات ودير الزور عِيالٌ على عبد القادر عيّاش.
(من ملفّ العدد المزدوج 1931-1932 من الأسبوع الأدبي)
