رؤى خرابة
في عالَمٍ يبدُو كُلُّ شَيْءٍ فيهِ عَابِرًا وَزَائِلًا، تَبْرُزُ قِصَّةُ رِجُلٍ قرَّرَ أن يبنيَ سَدًّا في مُواجَهَةِ نهرِ النِّسيَانِ، هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ عبدِ القادِرِ عيَّاشٍ، الرَّجُلِ الَّذي أَدركَ ضَرُورةَ وُجودِ هَيَاكِلَ مُؤسَّسيَّةٍ رصينةٍ للمَعَارِفِ الهَشَّةِ، وأنَّ الفِكْرَ العَابِرَ يحتاجُ إلى أوعيةٍ دَائِمةٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ مِنْ عَصْرِهِ.
لم تكُنِ الرِّحْلَةُ مُجرَّدَ شَأْنٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ تحوَّلَتْ إلى هَمٍّ جَمْعِيٍّ.
لم تكُنْ ذِكرَى عيَّاشٍ نَزْوْةً عَابِرةً، بَلْ كانتِ استِجَابَةً للوَاقَعِ الأَليمِ الَّذي عَاشَهُ، حينَ نُفِيَ أَهلُهُ مِنْ ديرِ الزُّورِ إلى جبلةَ، واستُشهِدَ أَخوهُ، وَتُوفِّيَ والدُهُ مَسمُومًا في المَنْفَى، أَدركَ أنَّ محوَ الذَّاكرةِ هُوَ الوجهُ الآخرُ لمحوِ الهُويَّةِ، لكنَّهُ وبِشكلٍ مُدْهشٍ حَوَّلَ ألمَهُ الشَّخصيَّ إلى مشروعٍ جمعيٍّ.
لم يَكتفِ، كمُعظمِ البَاحِثينَ، بِتَسجيلِ مَآسيهِ في مُذكَّراتٍ شخصيَّةٍ، بَلْ حوَّلَها إلى وَقْودٍ لمَشروعٍ ثقافٍّي ضَخْمٍ يَخْدِمُ ذاكرةَ المجتمعِ بأَكملِهِ.
مَا يُميِّزُ عيَّاشَ عَنْ غيرِهِ مِنَ البَاحِثينَ هُوَ بَصيرتُهُ الثَّاقِبةُ بِضَرُورةِ التَّأَصِيلِ المُؤسَّسيِّ للفِكْرِ، أَدركَ أنَّ الأفكارَ العظيمةَ تموتُ إنْ لم تتحوَّلْ إِلَى مُؤسَّساتٍ قادرةٍ عَلَى الاسْتِمْرَارِ.
عَامَ 1944م حَوَّلَ جُزْءًا مِنْ بَيتِهِ إلى «النَّادِي الثَّقَافيِّ الأدبيِّ»، لم يكُنْ مُجرَّدَ صَالونٍ أدبيٍّ، بَلْ كَانَ نمُوذَجًا أَوليًّا لِمَا نُسمِّيهِ اليومَ «المراكزَ الثَّقافيَّةَ»، مكانٌ يلتقِي فيهِ المُثقَّفُونَ بعامَّةِ النَّاسِ، وَتنتقِلُ المعرفةُ مِنَ البُرْجِ العَاجِيِّ إلى الرَّصيفِ.
وبعدَ عامٍ واحدٍ فقطْ أطلقَ مجلَّةَ: «صوتِ الفُراتِ» الَّتي استمرَّتْ 22 عامًا، لم تكُنْ مُجرَّدَ مَطبوعَةٍ بَلْ كانتْ مَنظومةً كاملةً لجمعِ المعرفةِ وتنظيمِهَا ونشرِهَا، كَانَ هُوَ نفسُهُ رئيسَ التَّحريرِ والكاتبَ والبَاحثَ والمالكَ والمُوزِّعَ.
عَامَ 1957م تبلورتْ رؤيةُ عبدِ القادِرِ عيَّاشٍ المُؤَسَّسيَّةُ بتحويلِ بيتِهِ إلى «مُتحفِ الآثارِ الشَّعبيَّةِ»، هُنَا لم يعدِ الأمرُ مُجرَّدَ كلماتٍ، لقدْ تحوَّلتِ الذَّاكرةُ إلى فضاءٍ مادِّيٍّ مَلموسٍ، كُلُّ قِطعةٍ في المُتْحَفِ تَرْوِي حِكايةً، وَكُلُّ قَاعَةٍ هِيَ فَصْلٌ مِنْ سِيْرةِ المُجتمعِ الذَّاتيَّةِ.
لم يكُن المُتحفُ مُجرَّدَ مكانٍ لعرضِ المُقْتَنَيَاتِ، بَلْ كَانَ أَرشيفًا حَيًّا ومُختَبرًا لِلهُويَّة وَفَصْلًا مَفْتُوحًا لِلأَجَيالِ الجَدِيدَةِ.
اتَّسَمَ عيَّاشٌ بمنهجيَّةِ نِظَامٍ بحثيٍّ مُتَقَدِّمٍ سبقَ أكاديميَّاتِ عصرِهِ شملتْ:
– العَمَلَ الميدانيَّ: لم يكُنْ بَاحِثًا مَكْتَبِيًّا، بَلْ كَانَ ينتقِلُ بنفسِهِ إِلَى القُرَى والبَادِيَةِ.
– التَّوثِيقَ الشَّفويَّ: رَأَى الأَهمِّيَّةَ الكُبرى للرِّوايةِ الشَّفويَّةِ قبلَ أن تُصبِحَ تيَّارًا أكاديميًّا بكثيرٍ.
– التَّصنيفَ الموضوعيَّ: نظَّمَ مادتَهُ العلميَّةَ في 140 مَوضُوعًا في «مَوسُوعَةِ الفُراتِ».
– الرَّبْطَ السِّيَاقيَّ: رَبَطَ بينَ المادِّيِّ وغيرَ المادِّيِّ، بينَ الأثَرِ التَّاريخيِّ والقِصَّةِ المُصَاحبةِ لُهُ.
الاسْتِدَامَةُ: (إِرْثٌ يستمِرُّ بعدَ الرَّحيلِ)
ما يزيدُ الرِّوايةُ إِدهاشًا هُوَ كيفَ خَطَّطَ عيَّاشٌ لِاستِمَرَاريَّةِ مشروعِهِ بعدَ موتِهِ، بالتَّبرُّعِ بِمَكْتَبَةِ العَائِلَةِ للمَكتبَةِ الوَطنيَّةِ وَمُقتنياتِ المُتْحَفِ لبلديَّةِ دَيرِ الزُّورِ، كَانَ يَضَعُ اللَّمساتِ الأخيرةَ عَلَى مَشروعِهِ المُؤَسَّسيِّ، أَدركَ أنَّ المبادراتِ الفرديَّةَ، مهما عَظُمَتْ، مَحْكُومٌ عَلَيها بالزَّوالِ بزوالِ أَصْحَابِهَا، ما لمْ تتحوَّلْ إلى كِيَاناتٍ مُؤسَّسيَّةٍ.
العِبْرَةُ في زَمَنِ التَّسطُّحِ الرَّقميِّ:
اليومَ في عَصْرِ التّسطُّحِ الرَّقميِّ حَيْثُ تتحوَّلُ الذَّاكرةُ، أو تَخْتَفِي عَلَى شَاشَاتِ الهَوَاتفِ، تظهَرُ عَظَمَةُ مشروعِ عيَّاشٍ بوضوحٍ أكبرَ، فَقَدْ عَلَّمْنَا أنَّ الذَّاكرةَ تحتاجُ إلى أوعيةٍ مادِيَّةٍ، وليستْ رقميَّةً فقطْ، وأنَّ المعرفةَ تتطلَّبُ هياكلَ تنظيميَّةً، وليسَ مَنَصَّاتٍ افتِرَاضيَّةً فحسبُ، وأنَّ الفِكْرَ يحتاجُ إلى استِمَرَاريَّةٍ مُؤَسَّسيَّةٍ، وليسَ ومضَاتٍ فرديَّةً فقطْ.
لمْ يكُنْ عبدُ القادِرِ عيَّاشٌ مُجرَّدَ بَاحِثٍ في التُّرَاثِ، بَلْ كَانَ فَيْلَسُوفًا أدركَ أنَّ الذَّاكرةَ ليستْ تَرَفًا ثقافيًّا، بَلْ هِيَ فِعْلُ مُقاومةٍ وُجُوديٌّ، في زمنِنَا هَذَا حَيْثُ تتحوَّل الذَّكرياتُ إلى مُنتجَاتٍ رقميَّةٍ، وتُصبِحُ الهُويَّاتُ قابِلَةً للتَّفكيكِ وَإِعادةِ البِنَاءِ حسبَ أهواءِ السُّوقِ، يظهرُ مشروعُهُ كنَموذجٍ يُحتذَى، فَقَدْ نَجَحَ في تحويلِ الذَّاكرةِ مِنْ شَيْءٍ هَشٍّ قَابِلِ للضَّياعِ إلى نِظَامٍ مُؤَسِّسيٍّ قَادِرٍ عَلَى مُواجَهَةِ تقلُّباتِ الزَّمَنِ، وهَذَا هُوَ إنجازُهُ الأكبرُ: أنَّهُ لم يقتصرْ عَلَى الحِفَاظِ عَلَى الذَّاكِرةِ، بَلْ عَلَّمَنَا كَيفَ نَبنِي الحُصُونَ الَّتي تُمكِّنُ الذَّاكِرةَ مِنَ الانتِصَارِ في مُواجهةِ النِّسيانِ.
(من ملفّ العدد المزدوج 1931-1932 من الأسبوع الأدبي)
