حلّ الأديب البحث محمد جدوع ضيفاً على فرع طرطوس يوم الأربعاء 15/4/2026، فألقى محاضرة حملت عنوان “العجيلي والمسيري ، وما بينهما من رؤى “.
استهلت الفعالية بكلمة ترحيبية للأستاذ منذر عيسى رئيس الفرع أضاء من خلالها على السيرة الذاتية والعملية للأديب الضيف وأبرز تفاصيل حياته وأعماله كناقد وباحث يركز على الدراسات الفكرية والتاريخية والأدبية.
وكمدخل لمحاضرته اختار محمد جدوع عبارة بليغة المعنى للمستعرب الفرنسي “مكسيم رودنسون يقول فيها ” :هناك .. انقطاع جذري بين واقع المجتمع العربي ووعيه”، كإشارة إلى وجود فجوة كبيرة بين الواقع الفعلي للمجتمع العربي ووعيه السائد، وهذه الفجوة تتجلى في تعارض الممارسات الاجتماعية والسياسية مع الأفكار والشعارات المعلنة، مما يخلق عوائق أمام التطور والتحديث.
تناول المحاضر سيرة الأديب “عبد الوهاب المسيري ” باعتباره حالة فكرية استثنائية في السياق العربي والإسلامي المعاصر، ليس فقط بالنظر إلى اتساع معارفه وتشعب اهتماماته؛ من النقد الأدبي إلى الحداثة والعلمانية ونهاية التاريخ، ومن الترجمة إلى العمل الموسوعي حول اليهود واليهودية والصهيونية وقضايا التحيز في العلوم؛ بل لما حمله من نزعة تأسيسية نادرة؛ نزعة الباحث عن المعنى.
واستعرض تلك الخصائص التي توفرت لدى المسيري والتي لا تكاد تجتمع لأحد، وقلما تتوفر في الكثيرين واحدة منها، فهو عقل نشأ من رحم الأمة ولم يكن نتاج فصيل أو حزب أو طائفة، بل كان عقلاً حراً مستقلاً مهمومًا بقضايا أمته وبتطوير مناهج البحث العلمي وتجديد الفكر العربي.
وتميز المسيري تجلّى في كونه مفكرًا منهجيًا بامتياز، طور النماذج التفسيرية والتحليلية سواء في أبحاثه عن الصهيونية أو العلمانية أو الانتفاضة أو الحداثة الغربية أو المرأة.
وقاطع الرؤى بين عبد الوهاب المسيري الذي يركز في رؤيته على تقويض النماذج المعرفية المادية والحلولية الغربية، معتبرًا إياها علمانية شاملة تلغي الخصوصية الإنسانية، ومنتقلاً من الماركسية إلى منظور إيماني إنساني، وبين الأديب عبد السلام العجيلي أيقونة الفرات و العلم والأدب والفكري السوري الرائد الذي تميز وعيه بنزعة تنويرية وعقلانية تهدف للنهوض بالمجتمع، حيث زاوج بين إرث البادية الأصيل ومتطلبات الحداثة والمعرفة العالمي، مركزاً على تفكيك البنى الفكرية الجامدة.
وأكد المحاضر الضيف أنَّ قلائل هم من يشبهون الأديب الراحل عبد السلام العجيلي بشعوره الوطني وتفانيه في العمل، وتناول بالشرح والتحليل والصور التوثيقية أهم أعماله التي عكست انفتاحاً في تقبل الآخر الأجنبي من خلال تجربته الشخصية الواسعة وأدبه الذي تُرجم إلى لغات عدة.
أكدت المحاضرة أن مسؤولية المفكرين والمثقفين في المجتمعات هي إشعال جذوة الوعي، وردم الفجوة بين الفكر والعمل، حتى يتحول الفكر إلى منارة، لا إلى طقوس شكلية تخلو من المعنى، فانقطاع الوعي بين واقع المجتمع ووعيه هو فجوة ناتجة عن عدم قدرة الوعي الجمعي على استيعاب تحديات الواقع، مما يؤدي لسيادة “الوعي الزائف” أو “تسطيح الوعي”.
وفي نهاية المحاضرة فُتح باب النقاش والحوار على أهم ما ورد فيها من محاور، فأضافت هذه النقاشات للمحاضرة الكثير من الغنى المعرفي والفكري.

