إبراهيم الجبين
مدينةٌ ظَلَمَها الطَّاغيةُ الأبُ، وأكملَ في تطبيقِ العُقوبةِ الممنهجةِ عليها وريثُه الَّذي دَمَّرَ سوريةَ، ثُمَّ أَجهزَ عَلَى حضارتِها تنظيمُ داعشٍ الإِرهابيِّ، وأخيرًا سَحَقَها المُجرِمُ عصامُ زهر الدّين بحصارٍ خانقٍ، وَحَطَّمَ أحياءَها، وجوَّعَ أهلَها.
مدينةُ دير الزُّور العريقةُ التي تعودُ إلى آلافِ السِّنينَ كانتْ نذرًا أبديًّا ومحطَّ اهتمامٍ وهوسٍ لأحدِ أبنائِها الكبارِ، الموسوعيِّ عبدِ القادرِ عيّاش المحامي الباحثِ والمُؤرِّخ والأديبِ والصُّحفيِّ الَّذي خلَّفَ وراءَه أكثرَ من 100 بحثٍ وكتابٍ خصَّصَها فَقَطْ لحضارةِ وادي الفراتِ، ولم يكُنْ عيَّاشٌ لِيَفعلَ ذلكَ لولا عِشْقُهُ لمدينتِه وإيمانُه بأنَّها جَوْهَرَةٌ مدفونةُ في الرِّمالِ.
لا يُمكنُكَ أن تذكرَ ديرَ الزُّورِ دونَ أن تذكرَ عبدَ القادرَ عيَّاش، كانَ بيتُهُ ومُتحفُهُ فيها مَحَطَّةً أساسيَّةً في مقامِ جسرِها ونهرِها الخَالِدينَ.
وحِينَ كانَ الحديثُ يدورُ عن بورجوازيَّةِ مدينةِ دير الزُّور ودورِها التَّنويريِّ والقياديَّ، كانَ اسمُ أسرةِ عايشٍ وعيَّاشٍ يتصدَّرانِ التَّأريخَ الاجتماعيَّ والثَّقافيَّ.
دَرَسَ عبدُ القادرِ عيَّاش في بيروتَ، ومنها حصلَ عَلَى الشَّهادةِ الابتِدائيَّةِ، في الوقتِ الَّذي كانتْ أسرتُهُ تعاني النَّفيَ والاعتِقالَ والإعدامَ عَلَى أيدِي الفرنسيِّينَ تنكيلًا وانتِقامًا مِنْ دَوْرِ أفرادِها في قيادةِ ثورةِ دير الزُّور عَلَى الاحتِلالِ وفي الثَّورةِ السُّوريَّةِ الكُبرى.
عاشَ المنفَى في بلدِهِ بعيدًا مِن دير الزُّور، وتمَّ إجبارُهُ وأسرتُهُ عَلَى العيشِ في مدينةِ جبلةَ السَّاحليَّةِ وعانى الاضطهادَ مُبكِّرًا، فذاقَهُ طِفلًا ويَافعًا، ولم يُنقِذْهُ مِنْ هَذَا المَنَاخِ الصَّعْبِ سِوَى الانْخِراطِ في الدِّراسةِ في صُفوفِ المَدْرَسَةِ الإنجيليَّةِ بحمصَ والمعهدِ الفرنسيِّ في العاصمةِ دمشقَ.
حينَ رَأَى عبدُ القادرِ عيَّاشٌ دِمَشْقَ، لم يرَها كغيرهِ ممَّن أتَوها مِنْ خَارِجِها، بَلْ فَتَنَتْهُ مَدَنِيُّتَها وأصالتُها، وكانتْ دراستُهُ للحُقوقِ فِي جَامِعَتِهَا في مَطلَعِ ثلاثينيَّاتِ القَرنِ العِشرينَ مُنطلقًا لَهُ؛ لِيُرَسِّخَ قَدَمَيهِ في مَرتبَةِ النُّخَبِ السُّوريَّةِ الرَّفيعَةِ الَّتي نَشَطَتْ في الحياةِ السِّيَاسيَّةِ والعَامَّةِ في سوريَا.
وسُرعانَ ما اجتذبَهُ سِلكُ القَضَاءِ، لكنْ في شقيقةٍ كُبرى ثانيةٍ من شقائقِ دير الزُّورِ، وأعني حلبَ، ومنها انتقلَ إلى المَعَرَّةِ ثُمَّ إلى دمشقَ والبابِ.
لم تكُنْ شخصيَّةُ عبدِ القادرِ عيَّاشٍ مُناسبةً لمهمَّةِ المُوظَّفِ، كانَ طليقًا يحتاجُ الوقتَ كلَّه لأبحاثِهِ وانشغالاتِهِ، لذلكَ استَقَالَ مِنَ العَمَلِ الحُكْوميَّ في منتصفِ الأربعينيَّاتِ، وتفرَّغَ للمُحَامَاةِ.
ولأنَّ مناخَ العيشِ في مدينةٍ يُوجب مُراعاةَ اعتباراتٍ كثيرةٍ، فَقَدْ وجدَ عبدُ القادرِ عيَّاشٌ نفسَهُ مُضْطَرًّا لتمثيلِ مُجتمعِهِ لَا في قاعاتِ المَحَاكمِ فقطْ، وإنَّما في المجلسِ البلديِّ لدَير الزُّور، وَهُوَ بذلكَ يكُونُ قدْ دَخَلَ إلى التَّشكِيلاتِ الحَضَريَّةِ الَّتي فَهِمَ مِنْ خلالِها معنَى العَلَاقةِ ما بينَ المدينةِ والحُكومةِ والمُجتمعِ، وفَهِمَ في وقتٍ مُبكِّرٍ مِنْ بينِ أغلبيَّة المُفكِّرينَ السُّوريِّينَ كيفَ نشأتِ الصِّراعاتُ في سوريَا؟ وما مساراتُها؟ وما دورُ الثَّقافَةِ والتَّنويرِ في تغييرِ الواقعِ.
اتَّجهَ نَحوَ تنشيطِ التَّفاعُلِ الاجتماعيِّ مَعَ الثَّقافةِ والفُنونِ، وأسَّسَ ناديًا سمّاهُ «البيتَ الثَّقافيَّ»، ضمَّ مَكْتَبَةً ضخمةً ومَسرحًا خَاصًّا، ثُمَّ وَضَعَ «الموسوعةَ الفُراتيَّةَ» ومُتحفَ «التَّقاليدِ الشَّعبيَّةِ».
في بيتِهِ تَجِدُ إرثَهُ أينما ولّهيتْ وجْهَكَ، ألبوماتِ الطَّوابعِ العتيقةِ والكُتبَ المُخطوطةَ الَّتي كانَ يَجمعُها بعنايةٍ لِحفظِها وتحقيقِها وأدبَ الرِّحلةِ الَّذي سَحَرَهُ، وقادَهُ إلى العراقِ ومِصرَ ولبنانَ والأردنِّ وتركيا والكويتِ وجمهوريَّاتِ الاتِّحادِ السُّوفييتي وأوروبَّا الشَّرقيَّةِ وألمانيا.
في بداياتِ الخمسينيَّاتِ قرَّرَ إصدارَ مجلَّةٍ خَاصَّةٍ، أطلقَ عليها اسمَ «صوتِ الفُراتِ» الَّتي أطلقتْ أوَّلَ أعدادِها في العَامِ 1953م، الَّتي كَانَ يُحرِّرُها، وضعَ جميعَ أبحاثِها، ويُموِّلُ طباعتَها وتوزيعَها، ولكنَّها لم تستمِرَّ طويلًا، وصدَرَ منها 348 عَدَدًا، ثُمَّ أوقفتْها الحُكومةُ لاحقًا، عَلَى الرَّغمِ مِنْ أنَّها كانتْ تَصُبُّ اهتمامَها عَلَى الاقتِصادِ والتُّرَاثِ والتَّنميةِ الحَضَريَّةِ وشُؤونِ الزِّراعةِ والعُمرانِ والصِّحَّةِ، وكانتِ المجلَّةُ قد بلورتْ فكرةً لدى عيَّاشٍ، وهِيَ تأسيسُ مَركزِ الدِّراساتِ التَّاريخيَّةِ والجُغْرَافيَّةِ بديرِ الزُّورِ الَّذي ترأَّسَهُ بنفسه.
كَتَبَ المُؤرِّخُونَ أنَّ اهتماماتِ عبدِ القادرِ عياشٍ تجاوزَتْ حُدُودَ البَحثِ العاديِّ، ومِن زاويتي أَرَاهُ قدْ دَخَلَ فِي نِطَاقِ الأنثروبولوجيا قَبْلَ غَيْرِهِ، فَمَنْ سَيِهْتَمُّ بالخُبْزِ والتَّدَاوِي المحلّيّ إلى جِوَارِ أَعْشَابِ البَادِيَةِ وَنَبَاتَاتِهَا مَعَ تَغْطِيْةِ آثَارِ الفُرَاتِ وَعَادَاتِ الموتِ والمِلَابِسِ والطُّيُورِ والحَيواناتِ وَتَقَالِيْدِهَا الَّتِي عَاشَتْ في رِيْفِ المَدِيْنَةِ وَعَنِ القَمَرِ وَالمِلْحِ والنَّارِ وصُنُوفِ المُونَةِ البَيْتِيَّةِ والمَقَاهِي والاقْتِصَادِ والتَّاريخِ وَالأَمَثَالِ الشَّعْبِيَّةِ؟ لولَا أنّهُ كَانَ يرسُمُ صورةً لمدينةِ دير الزُّورِ وِلِإِنْسَانِها بِوُجُوهِهَ كَافَّةً.
وَكَانَ يُعِدُّ قَبْلَ رَحِيلِهِ مُعْجَمًا للمُؤَلِّفينَ، لَكِنَّهُ لمْ يُنْجِزْهُ، بَلْ عُثِرَتْ على قَصَاصَاتٍ مِنْهُ بينَ أغراضِهِ الشَّخْصيَّةِ، وَتَمَّ جَمْعُهُ وَطِبَاعَتُهُ في دارِ الفِكْرِ بِدِمَشْقَ مُنتصفِ الثَّمَانينيَّاتِ.
سِيرةُ عبدِ القَادِرِ عيَّاش هِيَ سِيرةُ مدينتِهِ ديرِ الزُّورِ، وَإِرْثُهُ يَتَجَلَّى في حُطَامِ المَدِيْنَةِ، فَلَا تَنْسُوا، وأنتُمْ تُعيدُونَ إِعْمَارَ ديرِ الزُّورِ أَنْ تُشيِّدُوا أحلامَ عبدِ القادِرِ من جديدٍ؛ لِتَرُدَّ عَلَى الطُّغْيَانِ والاسْتِبْدَادِ والتَّجهيلِ والمَنَاطِقْيَّةِ والطَّائفيَّةِ وعَلَى كَارِهِي التَّمدُّنِ الَّذينَ سَحَقُوا حَضَارةَ سُوريَا لعَشَرَاتِ السِّنِينَ قَبْلَ أن يُنقِذَهَا أبناؤُها يومَ التَّحريرِ في فَجْرِ الثَّامِنْ مِنْ ديسمبر كانون الأوَّلِ عامِ 2024م.
(من ملفّ العدد المزدوج 1931-1932 من الأسبوع الأدبي)
