■ د. فطيم دناور
في التحولاتِ الكبرى تقفُ الأممُ على أعتابِ الماضي؛ فتجري مراجعاتٍ عنه، تنبشهُ لتميزَ الطيبَ من الخبيثِ من أحداثِه، تسائلُه، تحاسبُه، تقاضيه، حتّى إذا دخلتْ حاضرَها دخلتهُ قويةً محصنةً الأمراض، من هذا المنطلق، نفتحُ الدفاتر، نراجعُ الحسابات، نتخلصُ من الديون حتى لا ندخل هذه الحقبة مكبلينَ بها، أنتمي إلى جيلٍ تعرّضَ ماضيه لاغتيالٍ ممنهجٍ، فكفكنا الدموعَ ودفناه ُفي جنحِ الظلام في حمأةِ انشغالنا بالزلزال الذي تعرضتْ له أمتُنا، واليوم وإن كنّا لا نستطيع محاسبةَ الجناةِ فلا أقلَّ من أنْ نخرجَ جثمانَه لننعاه بما يليقُ به، ولنشرح للأجيال كيفَ تعرَّض للغدر، حتى يدافعوا عنْ حاضرِهم ومستقبلهم بشراسةٍ ويمنعوا عنه الأيدي الآثمة.
في أواسطِ تسعينياتِ القرنِ الماضي كانتْ جامعةُ حلبَ مهوى أفئدةِ الطلّابِ، ومقصدَ الباحثين عن المعرفة، يفدُ إليها طلابٌ من حماةَ وإدلبَ وحلبَ ومدنِ الباديةِ السوريةِ: الحسكةَ، ديرَ الزور، الرقةَ، البوكمال بالدرجة الأولى، وباقي المحافظاتِ بالدرجةِ الثانية، إذ لم تكنْ قد أنشئتْ جامعاتُ حماةَ وديرَ الزور وإدلبَ بعد، ولا قانون يمنعُ الالتحاقَ بها من أي مكانٍ على امتدادِ الخارطةِ السوريّة.
وكجميعٍ أبناءِ الرّيفِ، وقفتُ على ناصيةِ الحلمِ وقاتلتُ بشراسة، قاتلنا الفقرَ وبُعدَ المسافاتِ والعاداتِ الاجتماعية التي تمنعُ تعليمَ الفتاةِ خصوصاً إن كان ذلك سيضطرُها إلى السكنِ بعيداً من أهلِها، وكان أقصى طموحي آنذاك أن أجيب: “طالبةٌ جامعيةٌ” حين يسألني سائلٌ: ماذا تعملين؟ وأن أحملَ البطاقةَ الجامعيةَ مدوناً عليها اسمي ورقمي الجامعيّ ومطبوعاً عليها صورتي الشخصيّة، حلمٌ اضطرني إلى القتالِ على جبهاتٍ عديدة..
وأزيلت العقبةُ الأكبر -وللهِ الحمد- فقُبلتُ في كليّة الآدابِ والعلومِ الإنسانيةِّ بجامعةِ حلب، تلك الكليةُ التي يتغنى بها أفرادُ المجتمعِ الجامعيّ طلاباً وأساتذة، ويشعرون بكثيرٍ من الحبّ والرومنسيّةِ حين يقولون عنها “سفينة الحب”؛ إذ صمّْمت على شكل سفينة، لكن نصف العقبات لا يزال قائماً متمثلاً بالحصول على غرفةٍ في السكنِ الجامعيّ، وبتعبيرٍ أدقّ في الحصولِ على سريرٍ في غرفةٍ، أيّ غرفة، ثنائيةٍ رباعيةٍ لا مشكلة، المهمُ أن يتأمّنَ السكن، لكنني صدمت بقانون في منتهى الإجحافِ والغرابة، وهو أنَّ طلابَ التخصصاتِ العلميةِ يحصلون على السَّكنِ تلقائياً بعدَ التسجيل، أما طلابُ التخصصاتِ النظريّة فيحتاجون إلى (واسطة) واسطة؟ ربَاه!! وما الواسطة؟ وكيف سأحصلُ عليها، وأَنا في بلدٍ غريبٍ لا أعرفُ فيه أحداً؟ كان هذا المتطلبُ بمنزلة كومةٍ من الشَّوكِ فُرشتْ في طريقي وعليَّ أن أسيرَ عليها حافيةَ القدمين، فعدمُ تمكّني من السّكنِ يعني حتماً حرماني من التّعليم الجامعيّ ودفنَ حلمِي في المَهد.
وعادةً ما يصطحبُ الطلابُ المستجدون أفراداً من أسرِهم يتابعون معهم شؤونَهم ويدخلون معهم مكاتبَ الموظفين لحلِّ مشكلاتهم.. وهذا لم يكنْ متاحاً لي بطبيعةِ الحال،
تحدثتُ عن مشكلتي أمام طالبةٍ خريجةٍ من بناتِ بلدتي،
كانت قد استضافتني مؤقتاً في غرفتِها، فأشارتْ عليّ بخطةٍ ذكيةٍ وهي أنْ تصحبني فنعترضَ موكبَ مديرِ المدينةِ الجامعيةِ حين يخرجُ من مكتبِه الواقعِ تحتَ الوحدةِ الأولى حيث تسكن الزميلة، والطلابُ يعرفون موعدَ انصرافِ المدير، ويحفظون وجهَه ووجوهَ موظفيه ومرافقيه، وفي الساعةِ الموعودةِ وقفنا بجانب الوحدة الأولى ننتظر أنْ ينحدرَ من على الدرج، فنزلَ موكبٌ يتقدمه رجلٌ تبدو عليه شاراتٌ الهيبةِ: لباسٌ رسميٌّ، نظارةٌ سوداءُ، تحيطُ به مجموعةٌ من المرافقةِ طلاباً وموظفين بشواربَ عريضةٍ وذقونٍ كثيفةٍ وأحياناً قبعاتٍ غريبةٍ ونظاراتٍ سوداءَ، فانتظرتْ حتى وصلَ أسفلَ الدرجِ فاقتربتُ منهُ مسرعةً، وناديتُه بلقبِه الإداريّ وعرضتُ مشكلتي بجملٍ سريعةٍ مختصرةٍ “أنا طالبةُ أدب عربي مستجدةٌ وليس لديَّ إمكانيةُ استجارِ سكنٍ؛ فأرجو أن توفروا لي غرفةً حتى أتمكّن من الدوامِ في كليتي”.
قلت ذلك ظناً منّي أنَّه سيتعاطف معي وسيكونُ حريصاً على شابةٍ تطمحُ لتحقيقِ حلمِها، لكنّه من دونِ أن ينزعَ نظارتَه أو يلتفتَ تِجاهي، سألني سؤالاً كانَ بمنزلة الصاعقةِ على تفكيرِ فتاةٍ بسيطةٍ لم تعتدْ أساليبَ اللّفِ والدوران، فقال: “ومنْ واسطتك؟” حتى لحظةِ سؤالِه، كنتُ أظنُّ أنّ الواسطةَ التي حدثتني عنها الطالباتُ إجراءٌ سريُّ يمارسُ في الخفاء، لأنّه عارٌ لا يليقُ بأصحابِ القاماتِ التفوهُ به، بلْ ظننتُ أنَّ أمرَ الواسطةِ هذه كذبةٌ اخترعتْها الطالباتُ الفاشلات؛ حتى يجدنَ مسوغاً لعدمِ التزامِهن بالدوام، وعند سؤال المديرِ وُضعتُ في واحدٍ من أكثر المواقفِ حرجاً في حياتي، ففي جزءٍ من الثانيةِ ظهرَ في مخيلتي حلمي الوليدُ مهزوماً مدحوراً، وراودني هاجسٌ أنني سأعودُ إلى القريةِ أعملُ في الزراعة وأتزوجُ وأنجبُ أطفالاً وأنسى كأنّي لم أكنْ، أُنسى كما نُسيت زميلاتي اللاتي تزوجن في أعمارٍ مبكرةٍ، وكلّ إنجازهن هو ما أنجبنه من أطفال (مع فائقِ تقديري لمهمّةِ الأمِّ العظيمة التي لا تضاهيها مهمّة) ولكن كان ذلك تفكيري في تلكَ المرحلة.
فكرتُ بعقليةِ الأنثى حينَ تشعلُ ملكاتِها مجتمعةً، العاطفةَ والذكاءَ والفطنةَ، وأجبته بجملةٍ لو سمعها ذو خلقٍ لبكى على نفسه مما يجترح، قلت: “واسطتي ربُّ العالمين” قلتُها بصوتٍ متهدّجٍ مرتجفٍ ونفسِ خائفٍ الفشلِ والخذلانِ، والهزيمة، لكنَّ الجانبَ الإنسانيَ استيقظ فيه! فالتفتَ إلى أحدِ مرافقيه، وقال له: “سجلْ اسمَها” فأخذَ مني الموظفُ اسمي ورقمي الجامعيَّ وتخصصي.
قد يظنُّ القارئ الكريمُ أنُّي أكتب من نسجِ الخيالِ، أو أنّ هذه حادثةٌ فرديةٌ، ولكنْ يعلم أبناءُ جيلي هذه الحقائقَ جيداً، عايشوها وعانوها كما عانيت، وليتَ الأمرَ اقتصرَ على حالاتٍ فرديةٍ فقد تبينَ لاحقاً أن القانون البعثيّ ينظّم السكنَ في المدينةِ الجامعيّة على النحو التالي: “كلُّ جهةٍ حكوميةٍ لها قائمة: الأفرعُ الأمنية، فرعُ الحزب بالجامعة، رئاسةُ الجامعة وكلّ من له شأن يرفع قائمة أو اسماً، ترفع لرئاسةِ الجامعة، والرئاسة ترسلُها للمدينةِ الجامعية، وعلى مدير المدينة أن يوفّق بين هذه الجهاتِ بحيث لا يغضبُ أيّاً منها، والأولويةُ للأقوى، فأفرعُ الأمنِ قوائمُها لا تردّ ولا يُستثنى منها أحدٌ، يلي ذلك قوائمُ الحزبِ، وأضعفُ السلطات لمسؤولي الكليات، شوهد المديرُ ذو المرافقةِ والجاهِ يوضع في حقيبة (بيجو استيشن) كما توضع المتاع، وشاعَ بين الطلابِ آنذاك أن السيارةَ لأحدِ أفرعِ الأمنِ، وأنَّ أحدَ ضباطِ الفروعِ أرسلَ للمديرِ قائمةَ طالباتٍ للسكن، ولم يتمكّن المديرُ من توفيرِ سكنٍ لهن؛ فأرسلَ لإحضارِه موجوداً بهذِه الطريقةِ المهينة.
لقد كانَ السّكنُ الجامعيُّ مرتعاً للفسادِ والمحسوبياتِ، وكانت مكاتبُه وكراً لاستغلالِ الطالباتِ ذواتِ الحاجة، مما لا يمكن سردُه وذكرُه، ويعرفه القاصي والداني، خصوصاً أنَّه يفرضُ على الطالبِ في نهاية كلّ سنةٍ تغييرُ غرفتِه ونقلُ عفشِه في الصيف والعودةُ مع بدايةِ الدراسة.
وتيسرَ أمرُ السكنِ وأتممتُ دراستي -بتوفيق الله- واجتزتُ مراحلَها حتى وصلتُ إلى مناقشةِ رسالةِ الدكتوراه، فكان المديرُ من بينِ الحضور، طبعاً بعدَ أنَ أُعفيَ من إدارةِ المدينةِ الجامعية عادَ محاضراً في قسمِ اللغةِ العربيةِ، حضرَ المناقشةَ وباركَ لي الحصولَ على الشهادة، ولم أتمكّن من مواجهتَه بذاك الموقفِ الذي يحزُّ في نفسي، وقد تُوفي بعد رحمه اللهُ ولمْ أفعل.
لقد شكَّلتْ هذه الحادثةُ تحولاً نوعياً في حياتي وإدراكاً مبكراً لحجمِ الفسادِ الذي ينخرُ مؤسساتِ الدولة، فكنتُ أتجنّبُ الاقترابَ من المكاتبِ وأعتمدُ على نفسي في كلّ شأنٍ من شؤونِ دراستي لقناعتي أنًّ الاقترابَ الشديدَ من أيّ دائرةٍ سيكشف أمامي ألواناً من الفسادِ والمحسوبيات، وآليتُ على نفسي أنْ أجتهدَ في محاربةِ هذه الأمراض، وأنْ أسلّطَ الضوءَ على معاناةِ أبناءِ الريفِ ومشكلاتِهم حينَ يلتحقون بالجامعات، وترسَّب في نفسي نقمةٌ على الأنظمةِ الإداريةِ في الدّولة وقياداتِها، عززتها مواقفُ أكثرُ سوداويةً من تعاملِ بعضِ الأساتذةِ معَ الطلاب إلى تشكيلِ اللجانِ إلى التعييناتِ في المسابقاتِ وغيرِها…
لكن عملي خارجَ سوريا أبعدني من جامعتي، فعملتُ حيثُ أنا بكل قوتي على تجنّب أيّ شكلٍ من أشكال الفسادِ في مسيرتي المهنية، ولم أسأل طالبةً يوماً: من أرسلك؟ أو من والدك؟ أو ما وضع أسرتك؟
أرجوكم عالجُوا الفسادَ وتشافوا منه، ولا تسألوا أحداً بعد اليوم: “من واسطتك”.
