تماضر الخنساء العلي
لا نكاد نظفر في الشعر القديم بنصوص تتحدث عن الحريق، خلا إشارات متناثرة كقصيدة “ ذو جدن الحميري» الذي وقف على قصر غمدان الذي أتت عليه الحرائق:
وغُمدانَ الذي حُدّثت عنه بنوه مسمّكاً في رأس نيقِ
بمنهمةٍ وأسفله جرونُ وحرُّ الموحلِ الّلثقِ الزّلّيقِ
مصابيحَ السِّليطِ تلوحُ فيه ذا يُمسي كَتوماضِ البروق
ونخلتُهُ التي غُرستْ إليه يكادُ البسّر يهصرُ بالعذوقِ
فأصبحَ بعد جدتهِ رماداً وغيَّر حُسنَهُ لهبُ الحريقِ
– وقد ذكر الأعشى (أيام حجر) وهي اليمامة وكانت مساكن بكر – في معرض الحديث عن حريق قرية «المُحرِّقة» من قرى اليمامة، حيث أحرقت قرية البادية:
وأيامَ حَجْرٍ إذ يُحرَّقُ نخلُهُ ثأرناكُمُ يوماً بتحريقِ أرقَمِ
كأنَّ نخيلَ الشَّطِ غِبَّ حريقهُ مآتِمُ سودٌ سلبَتْ عند مأتمِ
وقد ذكر الأعشى هذا اليوم في قصيدة أخرى يعاتب فيها بتي عبدان بن سعد بن قيس بن ثعلبة فيقول:
يومَ حجرٍ بما أزل إليكم إذ تُذكّي في حافتيهِ الضِّراما
جارَ فيه نافى العقابَ فأضحى آندَ النخل يفضحُ الجِّراما
فتراها كالخشن تسفحها النيرا نُ سوداً مصرِّعاً وقياما
وهو هنا يصور النخل المحترق الذي يفضح من يختبئ وراءه من المقاتلين، إذ ليس ثمة شيء يحجبهم في النخل المحترق الأجرد٠
وحين استبيحت بغداد عاصمة بني العباس على يد المغول، كانت عاصمة الخلافة العباسية على موعد مع واحدة من أبشع المذابح والحرائق في تاريخ البشرية، واستمر النهب والتدمير والقتل 40 يوماً، ولم يبق فيها مسجد ولا دار ولا شجر إلّا واشتعلت فيها النيران كعادة المغول في كل مدينة يحتلونها، وألقيت الكتب والصحف في ماء النهر الذي تغير لونه وأصبح بلون الحبر من كثرتها، وبذلك زال مشعل العلم الذي كانت تحمله بغداد العظيمة٠
وكتب الشاعر شمس الدين الكوفي قصيدة توثق مأساة.. تفيض بالدمع والأسى والأحزان من أروع الاشعار التي تحدثت عن فاجعة الغزو المغولي لبغداد بكى فيها صاحبها دولة بني العباس وبغداد المنكوبة، على يد المغول الذين أضرموا النيران:
أعلي ولا جيرانها جيراني غير البلى والهدم والنيران
ووقفت فيها وقفة الحيران كانوا هم الأوطار في الأوطان
وحين ننتقل إلى العصر الحديث فإننا نعثر على حرائق مايو1902م التي نشبت في عموم مصر وأقاليمها، فالنيران التي كانت تهدأ في مكان لا تلبث أن تنشب في مكان آخر، وقد بدأت الكارثة من» ميت غمر «بإقليم الدقهلية، وأدت النيران لحرق 548منزلاً و97شادراً للخضراوات والفواكة والدكاكين والحوانيت والمقاهي، وبلغ عدد القتلى في» ميت غمر» نحو61مواطناً ومواطنة، وإصابة 100 مواطن بحروق؛ ما جعل أمير الشعراء أحمد شوقي ينشد متأثراً في قصيدته الشهيرة:
الله يحكم في المدائن والقرى يا ميت غمر خدي القضاء كما جرى
أما شاعر النيل حافظ ابراهيم، فقد وصف هول المصيبة وصفاً دقيقاً قائلاً:
سائلوا الليل عنهم والنهارا كيف باتت نساؤهم والعذارى
كيف أمسى رضيعهم فقد الأم وكيف اصطلى مع القوم نارا
كيف طاح العجوز تحت جدار يتداعى وأسقف تتجارى
رب إن القضاء ألحى عليهم فاكشف الكرب واحجب الأقدارا
ومن مصر إلى العراق؛ حيث تجلت في أشعار معروف الرصافي الكثير من المشاهد والصور الإنسانية المستمدة من صميم الواقع والتي تعبر عن المجتمع، وتكشف عن جراحه وأحزانه، في وصف يذوب عاطفة، ويتقاطر رحمة وإنسانية، متحدثًا عن حريق شب في حارة الفاتح من مدينة إسطنبول، وهو حريق هائل اجتاح عدة حارات، فتركها قاعًا صفصفًا:
ما للديار تراءى وهي أطلال هل خفّ بالقوم عنها اليوم ترحال
ما بالها وهي أنقاض مبعثرة تغبرّ فيهن أبكار وآصال
هل هذّ بنيانها من فوقُ صاعقة أوهدَ بنيانها من تحتُ زلزال
بل قد عفتها فلم تترك بها أثراً ريح لها من لهيب النار أذيال
شبّ الحريق بها ليلاً مشيّدةً فما أتى الصبح إلاّ وهي أطلال
أنارت النار في أطرافها رهجاً من الدخان كأن النار أبطال
حتى حكت معركاً خرّت بساحته صرعى بُيوت وأموال وآمال
وفيما حرائقنا السوريّة ترسم مشاهد مروّعة في الذاكرة المتعبة، نؤمّل أن تجد تلك الحرائق التي آلمتنا في الأيام الماضية إبداعات شعريّة تظلّ بردًا وسلامًا في المشهد الأدبي.
