النار في الأساطير
محمد أ. الجبوري
النار النار.. نار هنا
فأقول: ولم يأت من يحمل قرابيننا
النار النار.. نار هناك
لا أحد يعرف بالضبط كيف ومتى التقط الهومو إريكتوس الشرارة الأولى للنار وأدخلها إلى كهفه؟ لكن تلك اللحظة غيرت بلا شك مجرى وجوده؛ وجد الكائن العاري ما يقيه قسوة الطبيعة ويدفئ عظامه، وسلاحًا يرد به الوحوش المتفوقة عليه بمخالبها وأنيابها، فسخّرها وطوّر استخداماتها لقرون تالية، حتى أصبح هذا الاكتشاف الهائل محورًا لتحوّله من حياة بدائية إلى شكل أكثر تحضرًا وتعقيدًا.. غير أن علاقة الإنسان بهذه الفاتنة الملتهبة، ظلت تتسم بالتقديس والتعظيم حتى بعد أن سيطر عليها وأصبح سيدها على المستوى الواقعي، فأدخلها ثقافاته الاجتماعية ومعتقداته الدينية والفلسفية بأشكال ورمزيات كثيرة وكرس لها كثيرًا من الأساطير والخرافات التي ما يزال بعضها حاضرًا إلى الآن في الوعي الإنساني العام، ومن بين جميع عناصر الطبيعة، لم تنل واحدة هذا القدر من التقديس والغموض والتهويل مثل النار، فهي الجسر بين الإنسان والإله، تقدم لها القرابين وتطلب منها البركة، تُعبد وتُناجى وتُخشى، وهي النور والخير لدى البعض وهي الظلم والخوف لدى آخرين.
ولأن مخيلة الإنسان لم تترك النار مجرد عنصر مادي، فإنّها دخلت إلى الميثولوجيا القديمة كعنصر كوني خالق ومدمر، في الهندوسية، تظهر أولى ملامح «تأليه النار» في شخصية الإله أجني (Agni)، الذي تحتل تراتيله مكانة مركزية في «الريغفيدا»، أقدم النصوص الفيدية، أكثر من أي إله آخر، ويُعدّ أجني في الأسطورة الهندوسية ابنًا للمياه السماوية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنار التي يُعتقد أنها تنتقل إلى الأرض مع المطر لتستقر في النباتات، ولهذا، فإن احتكاك عودين من الخشب يُحرّر تلك النار المخزونة، كما يرتبط بالبرق الناتج عن اتحاد الإله بإلهة الغيوم، ومن أشكال النار الأخرى التي يُشرف عليها أجني نارُ الجنازات، حيث يكون مسؤولًا عن مرافقة الأرواح إلى مصيرها الأخير، تحت حكم ياما إله العالم السفلي، ويُنظر إليه كذلك بوصفه الوسيط بين العالمين، فيحمل القرابين التي يُقدمها البشر، ويصعد بها نحو الآلهة، ولهذا ارتبط اسمه بنيران الطقوس والمذابح المقدسة.
وبالعبور إلى فِكر الشرق الفارسي، في تعاليم زرادشت، كما في كتاب: «الأفِستا»، يُنظر إلى النار كرمزٍ للحق والعدل، وتظل الشعلة متقدة دائمًا في معابد النار الزرادشتية، لأن انطفاءها يعني انكسار الصلة مع الإله، وهو ما يفسّر الطقوس الصارمة للحفاظ على وهجها، ومن هذه الرؤية ينبثق الاحتفال السنوي بـ«عيد النوروز»، الذي يوافق الاعتدال الربيعي، الحادي والعشرين من مارس وفق التقويم الميلادي، ويعدّ أكبر الأعياد عند القومية الفارسية في إيران والدول المجاورة كأفغانستان وتركيا ويحتفل به الأكراد خاصةً في شمال العراق والمناطق الكردية في سورية، يرتبط هذا اليوم أيضًا بالنار تيمُنًا بنار الانتصار التي أشعلها كاوا الحداد على قمة الجبل حين انتصر على الملك الضحاك، كما تقول الأسطورة في الثقافة الكردية.
وتعيد الميثولوجيا الإغريقية تعريف النار كرمز للمعرفة والتمرّد والثورة الأولى، حيث إن بروميثيوس، الذي أحب البشر، سرق لهم شعلة من نار الآلهة وأعطاهم قبسًا منها تؤنسهم وتدفئهم، الأمر الذي لم يعجب زيوس كبير الآلهة، الذي أرادهم خانعين من غير قوة تجعلهم يتجرؤون يومًا ما على الاستيلاء على مملكته، فكبّله إلى صخرةٍ في القوقاز، وترك نسرًا ينهش كبده الخالد كل يوم.
هكذا كانت النار في أول حضورها الميثولوجي: كائنًا مركّبًا، لا يُختزل في المعنى الواحد، فهي نعمةٌ تمنحها السماء رحمةً، وتستردها نقمةً، ومع كل دفء تمنحه تحتفظ بشيءٍ من لهب العقاب، ولهذا ظلّ الإنسان، منذ شرارتها الأولى، مأسورًا أمامها، مأخوذًا بوعدها ووعيدها معًا، فبقي في موازاة خوفه منها، يحيطها بهالةٍ من القداسة ويبقيها مشتعلة في أعماق الرموز. ويؤلهها حين لا يرى في نفسه القدرة على تطويعها، فبالإضافة إلى ما ذكر في الثقافة الهندوسية والديانة الزرادشتية، ظلّت الشعلة الأولمبية في اليونان القديمة مشتعلة في معبد هيرا في أولمبيا، رمزًا للاستمرارية والنقاء، وكانت تُنقل من موضعٍ إلى آخر في طقوس مهيبة عالية الرهبة، وكأنها قلب الآلهة النابض على الأرض، لم تكن النار مجرد أداة، بل كانت السرّ نفسه، الضوء الذي لا يُلمَس ولا يُطفأ.
ويحضر سرها هذا في الديانات الإبراهيمية في حادثة مذكورة في سفر الخروج في العهد القديم وفي القرآن الكريم: العليقة التي رآها النبي موسى جبل حوريب (سيناء)، تلك التي «تشتعل ولا تحترق»، تجلى الله من خلال هذه الرؤيا النارية وبدأ وحي التوراة.
وظلّت النار على امتداد الميثولوجيا القديمة تتنقل بين المعنى ونقيضه: خَلق وفناء، نعيم وعذاب، حضورٌ سماوي ولهيبٌ أرضي، ولم تغادر هذه الرمزية الأديان التوحيدية، بل رسّختها بأساليب مختلفة وحضرت في كثيرٍ من سردياتها الدينية بوّابةً للعقاب، أو معبرًا إلى التطهير.
ففي الثقافتين الإسلامية والمسيحية، تحضر جهنّم كموقدٍ لا يخبو، تسكنه نارٌ «وقودها الناس والحجارة» وهي جزاءٌ أخير للذين عصوا الله ومشوا في طريق الضلالة، حيث يتحوّل اللهيب من كنايةٍ رمزية إلى جغرافيا أخروية مكتملة، «النار الأبدية»، كما جاء في إنجيل متى، و«سعير» القرآن، ليستا مجرّد تهديد بل نهاية صريحة لمسارٍ روحي معكوس.
يشعل بعض قبائل الأميركيين الأصليين النار ضمن طقوس رمزية فتتخذ وظيفة التطهير بغرض التخليص من الذنوب أو لاستدعاء أرواح الأسلاف، فهي بذلك ليست نارًا للعقاب، بل تطهّر وتُجدّد الارتباط بين الإنسان والطبيعة.
والنار في الثقافة البوذية، لا تقع خارج الجسد بل تسكنه، في «خطبة النار» (Adittapariyaya Sutta)، يعلّم بوذا أن كل شيءٍ في الوجود «يشتعل»: الحواس والرغبة والغضب والوهم، ولا يكون الخلاص عبر النجاة من النار، بل بإطفائها داخليًّا، النيرفانا، بهذا المعنى، ليست جنّة، بل انطفاء اللهب.
وتبنّى اللاهوت الكاثوليكي مفهومًا مشابهًا، فيما يُعرف بـ«المطهَر» (Purgatorium)، وهي نار رمزية مؤقتة تطهّر الأرواح قبل دخولها النعيم، فالمسيح الذي حمل عن المؤمنين خطاياهم لم يحمل عقابها، وقد ارتأى القديس توما (الإكويني) أن المطهر مكان في أسفل الأرض حيث جهنم، بحيث إن النار التي تعذب الهالكين في جهنم، هي عينها تطهر الصالحين في المطهر، فالعقاب ليس هدفًا في حد ذاته في هذه الحالة، بل مرحلة للتكفير والتسامي قبل الانتقال إلى الملكوت.
في كلّ هذه التصوّرات قد تكون النار نهايةً مطلقة، أو ممرًا نحو الانعتاق أو العذاب.
ومهما تنوّعت وجوه النار ووظائفها الرمزية، مطهِّرة أو معاقبة، من بروميثيوس إلى موسى إلى زرادشت ظل جوهرها ثابتًا في أغلب الأساطير والمعتقدات.
وإذا ما خرجت من حقل الميثولوجيا -التي لا يتجاوز اهتمامي بها حدود الحكاية وما تراكم في ذاكرتي مما سمعت وقرأت ولُقّنت- إلى الذاكرة الجمعية المعاصرة، تحديدًا في الحالة السورية؛ وجدت نارًا مجرّدةً من أيّ معنى سوى الاحتراق المحض، ولطالما قلت إن نيران البلاد بلا رمز ولا تخييل، منذ التقطت شرارةً من جسد «البو عزيزي» حين أضرم النار في نفسه، لم يرض لها من كان يظن نفسه «زيوس» إلا أن تصبح نار حرب امتدت تفتّش عن كل ما يمكن أن يشتعل: مدن وبيوت وأعمار وأحلام.. وما زالت مستمرة بعد رحيله، تشتعل هنا وتنطفئ هناك، مجازًا وحقيقة، في النفوس وفي الأجساد والأملاك، وربما لا يكون آخرها حريق غابات الساحل، وكان السوريّ، دائمًا، هناك… تحت الرماد أو في قلب اللهب.
فأقول: وكان السوري الأسطورة.
