استضاف نادي أصدقاء الثقافة والأدب، التابع لفرع حمص لاتحاد الكتاب العرب، يوم الثلاثاء 3/2/2026 جلسة حوارية بعنوان “بين المنفى والوطن”، استعرضت فيها الأديبة عبير النحاس، محطات فارقة من مسيرتها الإبداعية والإنسانية، وحاورتها فيها الأديبة سكون شاهين.
بدأت النحاس حديثها بالعودة إلى الجذور، حيث استحضرت نشأتها في مكتبة والدها ودروسه الوجودية، لاسيما إصراره على تعليم بناته السباحة ونصيحته بضرورة “اختراق الموج عندما يكون البحر هائجاً”، وهي الفلسفة التي شكلت بوصلتها في مواجهة عواصف الحياة والمنفى.
وتوقفت النحاس مطولاً عند مجموعتها القصصية “تلميذة الرمان”، كاشفة عن مخاض فكري عميق حول تحول وعيها من التأثر بالأدب الكلاسيكي العالمي، كأشعار الإيطالي “أوفيد”، إلى الانبهار بالجمال الروحي في التاريخ العربي والإسلامي، وتحديداً قصة “مصعب بن عمير”، وهو التحول الذي لم يكن أدبياً فحسب، بل جرّ عليها ملاحقات أمنية وتضييقات طالت حياتها المهنية والعائلية آنذاك؛ لكونها كاتبة تحمل فكراً إسلامياً.
كما استعرضت الجلسة مسيرة النحاس في المغترب، بدءاً من كتابة المسرح للأطفال في تركيا وحصولها على تكريم رسمي من وزارة التربية التركية لمشاركتها الفاعلة في مسابقات اللغة العربية التي تقيمها الوزارة، وصولاً إلى عملها في وكالة الأناضول الذي صقل لغتها وجعلها أكثر سلاسة وواقعية، ثم الكتابة في الصحف التركية وتأسيس “دار أزرق” في إسطنبول.
وفي معرض حديثها عما قدمته في الغربة، لخصت النحاس منجزاتها في أربعة مسارات تعكس عصاميتها وإصرارها؛ استهلتها بمعركتها الشخصية للاستقلال المادي وتربية أبنائها بكرامة، معتبرة ذلك “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه.
كما برز دورها كصوت عربي وحيد في الإعلام التركي عبر كتاباتها باللغة التركية في صحيفتي “غيرتشيك حيات” و”يني شفق”، مما مكنها من بناء جسور ثقافية متينة مع الأدباء والصحفيين الأتراك.
ولم يقتصر دورها على القلم، بل امتد للعمل المؤسساتي من خلال تأسيسها لـ “دار أزرق للنشر” كمبادرة فردية لحماية اللغة العربية من الضياع، ومساهمتها كأحد المؤسسين لمعرض إسطنبول للكتاب العربي، سعياً لخدمة السوريين وتثبيت حضورهم الثقافي في المهجر.
وبشجاعة إنسانية عالية، تطرقت الجلسة إلى تجربة النحاس كأم لشهيد، حيث أوضحت كيف تختار الصمت لحزنها الخاص بينما تكرس قلمها لصناعة الأمل وأدوات الصبر لغيرها من الأمهات، محولة الألم إلى دافع متجدد للحياة. كما استعرضت ارتباطها الوجداني بالقضية الفلسطينية عبر مجموعة “حدثني الأقصى” و” أبطال صغار من فلسطين”، وتجربتها في عالم الرسم التي وظفتها في خدمة أدب الطفل.
اختتمت الجلسة بمداخلات السادة الحضور الذين أشادوا بمسيرة النحاس التي جمعت بين نبل الأمومة، وصلابة الموقف، ورقي الكلمة، مؤكدين أن تجربتها تمثل نموذجاً للمبدع السوري القادر على البناء والعطاء تحت أصعب الظروف.

