بين جدران مهدمة وسقف يحمل ندوب سنوات الحرب التي شنها النظام البائد على الشعب الثائر وعلى البشر والحجر، افتتح فرع اتحاد الكتاب العرب في مقره القديم المدمر بدير الزور معرض (الفن يقاوم الدمار)، وذلك يوم 7/12/2025.
جاءت هذه الفعالية ضمن سلسلة أنشطة ثقافية ينظمها الاتحاد احتفاءً بعيد التحرير والنصر، لتؤكد أن الإبداع هو أقوى أشكال المقاومة وأصدق تعبير عن إرادة الحياة.
وسط أنقاض المبنى الذي كان يوماً حصناً للفكر والأدب، تحولت الجدران المتآكلة إلى فضاء حي جمع بين الصورة الفوتوغرافية الصادمة واللوحة التشكيلية المعبرة، في حوار بصري مؤثر يروي حكاية مدينة واقفة بشموخ.
لم يكن اختيار المقر المدمر في حي غازي عياش مجرد ضرورة عملية، بل كان بياناً فنياً واستعادة رمزية للفضاء العام. كل شرخ في الجدار وكل نافذة محطمة أصبحت جزءاً من القيمة الجمالية والتأويلية للأعمال،
ليتحول المكان إلى معرض مفتوح تتناغم فيه لوحات الفنانين مع العمارة المجروحة في علاقة عضوية تؤكد أن الفن لا يزين الواقع بل يحاوره ولا يهرب منه بل يغوص في أعماقه ليستخرج منه الجمال والمعنى.
قدّم المصور جمعة السليمان مجموعة مؤثرة من الصور الفوتوغرافية التوثيقية، نقلت بأمانة وجرأة فنية تشريحاً بصرياً للدمار. تجاوزت أعماله التسجيل البارد إلى التأريخ العاطفي، حيث لم تكن الصور مجرد مشاهد للمباني المدمرة، بل كانت نصوصاً بصرية تحكي عن الغياب والحضور.
واستخدم الفنانان فاتح أبو جديع وخليل عبد اللطيف تقنيات فنية متنوعة شملت اللوحات الزيتية والمائية والرسوم بالفحم وقلم الرصاص، في حوار داخلي بين الألوان والظلال، بين الكثافة والشفافية، فعبرت أعمالهما عن رموز عميقة مثل النزوح والتحدي والصمود وعودة الكرامة، من خلال تكوينات درامية تجمع بين الواقعية والتعبيرية.
في لوحاته الزيتية والمائية، مزج خليل عبد اللطيف بين الأحمر الدامي والأسود القاتم والأخضر الوارف، ليحكي قصة دير العز التي تنتصر فيها الحياة على الموت. أما في أعماله بالفحم وقلم الرصاص، فقد قدّم قراءة أكثر حدة وكثافة، مركزاً على الوجوه والعيون والأيدي، كرموز للصمود والتحدي.
من جانبه تنقل فاتح أبو جديع بين تقنيات الفحم وقلم الرصاص لرسم لوحات بالأسود والأبيض تعبّر عن العمق المأساوي، ثم تنتقل لرسم لوحات أكثر شفافية وتفاؤلاً. في أعماله ظهرت دير الزور ليس كموقع جغرافي فقط بل كقيمة إنسانية. كانت لوحاته تحمل بصيص أمل، بينما حملت رسومات الفحم وقلم الرصاص جرأة الواقع وقسوته.
خلق المعرض حواراً استثنائياً بين فن التصوير الضوئي الوثائقي والفن التشكيلي التعبيري. فبينما قدّمت صور جمعة السليمان الوقائع كما حدثت، أعاد فاتح أبو جديع وخليل عبد اللطيف تفسير هذه الوقائع وتحويلها إلى رموز وجماليات. هذا التكامل أنتج تجربة بصرية وفكرية ثرية، قادت الزائر في رحلة من الصدمة إلى التأمل، ومن الحزن إلى الأمل، ومن الذكرى إلى التطلع للمستقبل.
عبّر الزوار من مثقفين وفنانين وأبناء المدينة عن انطباعات عميقة أكدت أن هذا المعرض يثبت أن الثقافة لا تدفن تحت الأنقاض، بل تنبت منها أكثر قوة، فاختيار هذا المكان تحديداً هو رسالة بأننا نصنع الجمال حتى من أحجار الدمار.
يؤكد معرض (الفن يقاوم الدمار) أن عملية إعادة الإعمار تبدأ من إعادة بناء الذاكرة والهوية، فقد نجح الفنانون المشاركون في تحويل الألم إلى إبداع، والدمار إلى جمال، والنسيان إلى ذاكرة حية.

