■ أحمد برقاوي
تُعرف الثقافة عامّةً من زاويتين: زاوية الثقافة الروحيَّة الإبداعيَّة، التي تتعيّن في الفكر، والفلسفة والشعر والأدب والفنِّ والموسيقا، وكلِّ أشكال الإبداع التي ترتقي بالنفس البشرية وتغنيها؛ والثقافة الموضوعيَّة، وهي الثقافة التي لا يُنتجها الفرد بذاته كما هي حال الثقافة الروحية، بل هي جملة القيم السائدة والمتغيرة التي مقصودها الحياة والعلاقة بين الأنا والآخر، العلاقة بين الفرد والجماعة، العلاقة بين الإنسان والسلطة، ومجموعة القيم المرتبطة بالخير والشرّ، إنها وإن كانت ليست من إنتاج فرد بعينه، لكنها متغيِّرة بتغيُّر الأحوال بمعزل عن طبيعة الأحوال، وقد يكون هذا التَّغيُّر سلبيّاً وقد يكون إيجابيّاً، فالتاريخ مملوء بالمصادفات والملامح القانونيَّة في التغيُّر الاجتماعي، الذي تشكِّل القيم جزءاً لا يتجزَّأ منه، انطلاقاً من هذه المقدمة، علينا أن نتناول الأسديَّة في علاقتها بالثقافة.
الأسدية بالتعريف: سلطة عسكريَّة أمنيَّة طائفيَّة، ساعدت على وجودها جملة عوامل بعد عام 1963م؛ ولأنَّها في جوهرها على هذا النحو، فهي ظاهرة لا معقولة ولا واقعية، لقد وعت هذه السلطة لا معقوليَّتها ولا واقعيَّتها، وهذا ما أنتج لديها الخوف على مصيرها، وخوفها على مصيرها كان يتطلَّب منها أمرين؛ هما: درجة قاسية من العنف وأدواته متمثلةً بالجيش وأجهزة الأمن من جهة، وإخافة المجتمع الذي تخاف منه من جهة ثانية، وأنتجت هذه العلاقة المعقَّدة خائفًا قرَّر أن يُخيف أو يصبح مخيفًا، وقد انسحب هذا الوضع على الثقافة بالمعنيين الذين أشرتُ إليهما.
1-الثقافة بالمعنى الموضوعيِّ
حُطِّمت الثَّقافة بالمعنى الموضوعيِّ في حقل سياسة الترويض وتحطيم القيم، فالترويض عمليَّة يقوم بها الإنسان لإخضاع الحيوانات وحملها على القيام بأعمال ليست من طبيعتها، ولا يكون التَّرويض إلَّا باستخدام العنف والتخويف والترهيب، وفي دولة السلطة الأسديَّة راحت السُّلطة التسلُّطيَّة أو الدكتاتوريَّة تنظر إلى الناس على أنَّهم حيوانات قابلة للترويض، وشرعت تقوم بعمليَّة الترويض هذه بكل أدوات القوَّة والسيطرة والعنف لتخلق ثقافة الخنوع.
تطلَّبت هذه السياسة الترويضيَّة من دولة السلطة التسلطيَّة أن تحشد أدوات عنفها كلَّها، من العنف الماديِّ كالسجن والقتل وكمّ الأفواه، إلى أدوات العنف الأيديولوجيَّة في الإعلام والمدرسة والثقافة، وانتهاء بالعنف الاقتصاديِّ؛ لتحقيق سياسة الحرمان وحمل النَّاس على البحث الدائم عن سبل توفير اللُّقمة والسَّعي وراءها، والقصد من وراء هذا كلّه، إشاعة الخوف والخنوع والتسليم بواقع الحال والاستسلام له، وبهذه الطَّريقة يتحوَّل المجتمع المروَّض في دولة السلطة الدكتاتورية- العسكرتاريَّة، إلى سيرك كبير تقوم فيه الحيوانات بحركاتها كما يشير إليها المروِّض، فالقسوة التي تستخدمها السلطة المستبدَّة لترويض الإنسان، لا تختلف أبداً عن سلوك المروِّض لحمل الأسد في السيرك على القيام بحركاته خانعاً لإرادة العصا وتوجيهها، وقد تنجح الدولة التسلُّطيَّة في ترويض جيل من المجتمع مدَّة من الزمن، وتجعل أفراده جثثاً تمشي على أقدامها خانعة ذليلة تفتِّش عن اللقمة فلا تجدها، وتسبِّح بحمد جلَّادها المروِّض.
وتُحرس هذه الحال بجمهور من العسس المخبرين، ومجموعة من القتلة المجرمين، وبأدوات من الكائنات التي تجمّل صورة المروِّض الأوَّل، وتشكره على ما هي عليه من الذلِّ والخنوع والجوع، لكنَّ الحياة -كما قال هرقليطس- نهر، والمرء لا يستطيع أن يستحمَّ في ماء النهر مرَّتين، والإنسان عقل وحرِّيَّة وحاجات في حقيقته، وهناك أجيال جديدة لديها آمالها، والعالم كلُّه صار في متناول عقلها ومعرفتها، فما عادت سياسة الترويض قادرة على حملها على أن تعيد سيرة الجيل المروَّض؛ فيحدث عند ذلك الانفجار، ومن أهمِّ القيم السلبيَّة التي تجذَّرت في عالم القيم خلال هذه السنوات الطويلة من الظلم والكبت والخوف:
1- التقية
وترتَّب على ظهورها كثير من الإخفاء والكبت والظُّهور الكاذب، والتقية نوعان: نوع يعود إلى التاريخ المتعلِّق بالطوائف، وصار مبدأ من مبادئ المذهب، ونوع صار وسيلة عامَّة من وسائل إخفاء الشعور الحقيقيِّ تجاه السلطة خوفاً من العواقب الوخيمة التي تترتَّب على الظهور الحقيقيِّ، ومع استمرار الخوف من الظهور الحقيقيِّ انتشرت ثقافة التقية، التي تسبَّبت بنشأة المكبوت الحقيقي والظهور الكاذب، ومع طول سنوات الكبت التي امتدّت لأكثر من قرن تحوَّلت التقية إلى ثقافة عامَّة تقريباً.
2- العنف اللغويُّ:
لقد نشرت ثقافة الطغمة الحاكمة ثقافة العنف اللغويِّ بأشكاله كلِّها، بدءًا من العنف اللغويِّ- الشتيمة، إلى العنف الجسديِّ، مروراً بالعنف الأيديولوجيِّ، وبدأ العنف اللغوي يتحوَّل إلى ظاهرة من ظواهر المخاطبة لدى جلاوزة النظام؛ فاستخدام الكلمات النابية من أجهزة الأمن وأفراد سرايا الدفاع وما شابه ذلك من عسكر صار شيئاً فشيئاً طقساً عامّاً في العنف اللغويِّ، وهذا العنف وغيره قد عمّم أخلاق نفي الآخر وجعل نموَّ الوقاحة سلوكاً سائداً.
3- الوقاحة
تؤدِّي الوقاحة بوصفها فقداناً للحياء حتماً إلى فقدان الضمير، وتشير إلى موت المؤسسة الاجتماعيَّة بوصفها سلطة أخلاقية، وعندما تموت سلطة المجتمع الأخلاقيَّة يصبح كلُّ شيء مباحاً، وهذه كلُّها قيم سلبية تؤدِّي إلى موت استقلال الذات؛ موت قيمة الإنسان الفرد، موت الإنسان، ولا شك أن أجيالاً عاشت في ظلِّ هذا الدمار الأخلاقيِّ، لا سيما الأجيال التي ولدت في ظلِّه وعاشت في ظلِّه، فسوف يصعب عليها الإفلات من آثاره السلبية بدرجات مختلفة، بل قد تتحوَّل هذه القيم السلبيَّة إلى بنية لا شعورية لدى الفرد، وإعادة التقدير لعالم القيم الإيجابيَّة أمر ليس سهلاً؛ لأنَّ القيم الإيجابيَّة هي قيم الحرِّيَّة، حيث لا تقية ولا وقاحة ولا عنف، بل انتصار للفرد وقيمته بوصفه ذاتاً.
غير أنَّ أخطر ما في هذا الأمر هو سريان الأخلاق السلبيَّة في سلوك جمهور من النخبة المثقَّفة التي تنتج الخطاب، لقد فاجأنا الفيسبوك بالانحطاط الأخلاقيِّ لدى من نعرفهم، واللُّغة السوقيَّة عند بعض من كانوا منتجي الخطابات الثقافيَّة. صحيح أنَّ هذه الظاهرة منتشرة عند الهامشيِّين، ثمَّ جاء حين من الدهر لم يكن عند الفئات الهامشيَّة من صغار الكتبة هذه النقيصة، والنخبة الاستبداديَّة ذات العصبيات آنفة الذكر هي بدورها ذات أخلاق رعاعية منحطَّة؛ ذلك أنَّها لا تستطيع أن تحكم وفق القيم المجتمعية ذات العمق الإنسانيِّ، ولا وفق قانون مدنيٍّ ينظِّم العلاقات بين السلطة والمجتمع، ولا وفق قانون الاعتراف الذي يحفظ الحقَّ، ولا وفق القيم الدينيَّة التي تؤكِّد الأخوَّة والتسامح؛ إنها – وقد أطاحت بكامل عالم القيم هذا- راحت تؤسِّس استمرارها على عصبيَّة رعاعيَّة وثقافة رعاعيَّة بامتياز؛ ثقافة قائمة على النهب والسرقة والتدمير والاعتداء والتسلُّط والاغتيال والقتل، ومع الرعاعيَّة الديكتاتوريَّة تحوَّلت ثقافة المؤسَّسة القائمة على القانون الصارم إلى ثقافة القرابة والصداقة والمضافة والعداوة القرويَّة وثقافة الاحتلال الأمنيِّ والعسكريِّ للفضاء المدنيِّ في ثقافة رعاعيَّة كهذه صار كلُّ شيء مباحاً، ولم تعد هناك حدود لتحطيم العقل والقيم الإيجابيَّة التي تحفظ التعايش الاجتماعيَّ؛ ولهذا كانت حاجة السلطة إلى جمهور الرِّعاع كبيرةً من مخبرين وعسكر ومرافقين وعصابات إلخ، وماتت أخلاق المؤسَّسة، أو انقرضت.
تُعدُّ المؤسسة أهم معلم من معالم الدولة، والمؤسَّسة التي أعني تلك التي تقوم بخدمة مصالح الناس، وتنظيم علاقاتهم وشؤون حياتهم الاقتصاديَّة والتعليميَّة والثقافيَّة والقضائيَّة والاجتماعيَّة، لقد حطَّمت ثقافة الرعاع كلَّ هذا تحطيماً لم يشهد له التاريخ مثيلاً، فمن جهة أولى لم يعد العامل في المؤسسة ينتمي إلى عمله، بل إلى ما تحقِّقه له المؤسسة من مصالح خارج القانون، ومن جهة أخرى صار مسؤول المؤسَّسة هو مالك المؤسَّسة، أو ملتزم أرض على الطريقة الإقطاعيَّة العثمانيَّة، فهو جابٍ ينهب، ويأخذ حصَّته، ويعطي صاحب القرار حصته، ولم يعد النظام السياسيُّ يكترث بما نسمِّيه الكادر، حيث الإنسان المناسب في المكان المناسب، بل أخذ بتقديرات الولاء والطائفة والمنطقة والخنوع؛ ولهذا انهارت هيبة المؤسسة أمام الرأي العامِّ، ولم يعد التعامل معها إلَّا في إطار الرشوة والمعرفة المسبقة، وقيم ما قبل الدولة والحداثة.
لم تعد المشكلة في نقل ثقافة المجتمع التقليديِّ إلى ثقافة المجتمع الحديث فقط، وإنمَّا حُطِّمت المعايير بكلِّ صلف رعاعيٍّ، فلقد تحوَّلت ثقافة المؤسسة القائمة على القانون الصارم، إلى ثقافة القرابة والصداقة والمضافة والعداوة القرويَّة من جهة، وإلى ثقافة الاحتلال من جهة ثانية، تحطمت الصورة المحترمة للوظيفة المؤسَّساتيَّة؛ فزال احترامها، وهذا يعني غياب النُّخب في مؤسَّسات المجتمع؛ فالقاضي ومدير الناحية ومدير المنطقة والمحافظ ومدير المؤسَّسة هذه أو تلك تحولوا من زاوية رؤية المجتمع إلى فاسدين من جهة وخدّام عند السلطان من جهة أخرى، ولقد سعت عصابة الثَّقافة الرِّعاعيَّة إلى تحطيم معايير الثقافة العلميَّة والأكاديميَّة والمدرسيَّة.
كانت الجامعة أوَّل دريئة أطلق عليها الرعاعيُّون سهام حقدهم، فلم تعد الكفاءة العلميَّة معياراً للعمل في السلك الجامعيِّ، وقد تسلَّلَ إلى الجامعة حشد من النوكة (الحمقى)، لا سيَّما كلِّيَّات الآداب والعلوم الإنسانيَّة، التي تتطلَّب إلى جانب التحصيل العلميِّ– المعرفيِّ الموهبة والشعور بالهموم الفكريَّة والجماليَّة، وتحوَّلت النخبة الأكاديميَّة إلى أقلِّيَّة تكافح من أجل الحفاظ على القيم العلميَّة، لكنَّ الحِمل كان، دائماً، أثقل من قدرتها.
وقد ولّد تسلُّل ثقافة الرِّعاع إلى الجامعة نمطاً جديداً من المدرِّسين والأساتذة المساعدين والأساتذة الذين لا علاقة لهم بالكِتاب أو الكتابة، ولا علاقة لهم بالنزاهة العلميَّة؛ فهم يسطون على مقالات الآخرين لنشرها وتقديمها للحصول على المرتبة العلميَّة الأعلى، ويتكشفون خالين من النزاهة الأخلاقية، فهم يتكسّبون من الطلَّاب بأساليب رخيصة، لقد تحوّل هذا النمط إلى نمط عدوانيٍّ على أخلاق المعرفة، وظهر ولأوَّل مرَّة في تاريخ الجامعة العالميُّ الأستاذ الجامعي المُخبِر؛ ذاك الَّذي يعرف أنَّ الآخرين يعرفونه مخبراً، ويعرف الآخرون أنَّه يعرف أنَّهم يعرفونه، ويمشي في حرم الجامعة وردهاتها دون أن يرفُّ له جفن، وبانتقال ثقافة المخبرين إلى الجامعة تحطَّم جوهر الجامعة ومعناها القائم على إنتاج المعرفة والنخب والمعايير، فانزوت الجامعة مؤسسة خالية من تقاليدها الكفاحيَّة بوصفها مختبر النخبة لإنتاج الحدثين: الثقافيِّ والسياسيِّ.
الهجوم على الثقافة الروحيَّة:
كان أوَّل هجوم قامت به السلطة هو هجومها على الثقافة؛ هو الهجوم على الموسيقا والأغنية لحناً وكلمات وصوتاً، صار الكلام المبتذل السوقيُّ كلام أغنية بلحن مزيف أو مسروق أو غير أصيل، وسيطرت هذه الظاهرة على إنتاج الفنِّ، وبقي العدد القليل الذي راح يقاوم هذا الانحطاط في عراك دائم مع سوق الإنتاج، فانتشرت السلعة الرديئة، وعُمِّم الذوق المنحطُّ، وأصبح حجم تداول الفنِّ الرفيع محدوداً، وظهر الصِّراع العلنيُّ علاوة على الصِّراع الخفيِّ -وفي مجالات الإبداع كِّلها- بين كلٍّ من الثقافة ذات الإهاب الجماليِّ الرفيع والمضمون الإنسانيِّ النَّبيل من جهة الثقافة الرعاعيَّة من جهة أخرى، وراح الفنُّ التشكيليُّ الرفيع يواجه اللوحات الجداريَّة، الَّتي تمجِّد إنجازات (القائد)، وواجه النحّات المبدع تماثيل (القادة) التي ملأت الساحات، واصطدم الفكر الفلسفيُّ الكوني بلغو الدعاة والخطباء، وبدأ الأفراد المبدعون في المعركة الثقافية يخوضون معاركهم لتحقيق خروقات أو انتصارت فرديَّة، وبرغم صلابة جدار الرُّعاع وسيطرتهم على سوق الإنتاج لم يكن بوسع أحد منهم أن يسيطر على ريشة المبدع، أو يُصمت قلمه الحرَّ.
لذلك كلِّه تقلَّصت حدود المتعة الروحيَّة الجماليَّة والفكريَّة- الفلسفيَّة التي تسمو بالإنسان، وتخلق لديه الحسَّ بقيمة الإنسان، وصار عدد دور النشر التي تحمل همّاً ثقافيّاً رفيعاً أقلَّ من عدد أصابع راحة اليد الواحدة، وفَرض السوق على أكثرها الهروب من نشر الشعر والفلسفة بوصفهما اثنين من أهم المؤشِّرات على انتشار العقل والثَّقافة في المجتمع، وراحت معظم دور النَّشر تنشر كتب الإثارة، وتسوِّق الرَّائج من الكتب.
تُحرِّك الفردانيَّة أو غنائيَّة الموهوب الذَّاتيَّة عجلة الثَّقافة الرَّوحيَّة؛ لذلك يصعب على السُّلطة القمعيَّة التَّحكُّم المطلق بالثَّقافة الرُّوحيَّة أو لجمها؛ ولهذا تسعى إلى التَّأثير قي سيرورتها بإنشاء المثقَّف المنقاد من السُّلطة والمثقف اللَّائيِّ، وقد تأثَّر الإبداع بهاتين الحالتين،
فإذا نحن أمام أنماط متعددة من الأدب والشعر والفنِّ، مع انحطاط شديد في عالم الفكر، على خلاف المثقَّف الحرِّ الفردانيِّ المبدع المتمرِّد وانقاد دعيِّ الثَّقافة للشَّخصيَّة السُّلطويَّة، وخُلق من رحم هذا الانقياد الوسخة ما يمكن “المتثاقف الرِّعاعيِّ”، ومن حسن حظِّ الثقافة الروحية أنَّها على قطيعة دائمة التَّثاقف الرِّعاعيِّ؛ لأنَّها لا تنتج المتثاقف الرِّعاعيِّ، وهذا المتثاقف الرِّعاعيُّ لا يمكنه إنتاج الثَّقافة الرُّوحيَّة الحقَّة وإن أعاق حركة الإبداع بشكل من الأشكال؛ ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعطي علامة الصِّفر لمجمل الثقافة على امتداد نصف قرن؛ لأنَّ الثقافة المبدعة خاضت صراعاً هائلاً وصعباً مع متثاقفي الرعاع، الَّذين غزوا صُعُدَ الإبداع الثقافيِّ كلَّها.
والحق فإن الثقافة الروحيَّة بوصفها إبداعاً فردياً شهدت صراعاً خفيّاً بين الفنِّ الجمال ذي المعنى وفن التسلية الخالي من المعنى، وبعد أن حطَّم النظام الديكتاتوريُّ– الرعاعيُّ الثقافة بالمعنى الموضوعيِّ للكلمة، ثقافة القيم الإيجابيَّة، راح يصارع الثقافة التي تصدر عن الحرّيَّة، وعندما بدأ المبدع باختراق حواجز السلطة لممارسة ماهيته الثقافية- الأدب والفكر والفنِّ والموسيقا، راحت تنمو على الضفاف الكائنات المتطفِّلة على الإبداع من متثاقفي الرِّعاع، وقد جنَّدت مؤسَّسة السلطة الأيديولوجية مجموعة من الأقلام لتأكيد فرادة (الزعيم)، (القائد) وتحويل أقواله إلى نصوص مقدَّسة لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من بين يديها، وتحوَّل الكلام الخالي من المعنى إلى موضوع تأكيد قداسة وفرادة.
وفي هذا الإطار العامِّ من هجوم التَّقاف الرِّعاعيِّ راحت جماعات كثيرة من السُّكَّان تعود إلى إرثها الثقافي الدينيِّ؛ لذلك راح الدعاة الرعاعيُّون يشوهون الأسس الأخلاقيَّة للإرث الدِّينيِّ، وراح الدعاة يستحضرون من التاريخ الثقافيِّ الديني كل ما يسيء إلى المرأة والحياة الاجتماعيَّة والروحيَّة.
وفي تمثيليَّة ثقافيَّة رعاعيَّة كهذه تزول الاختلافات بين الرعاعيِّين المتعلِّمين وغير المتعلِّمين، حتى لا تميز أكاديميّاً رعاعيًّا من جاهل رعاعيٍّ لم يدخل المدرسة، وإن لم يكن الرِّعاعيُّ مستحقًّا للقب الأكاديميِّ فقد حصل عليه بسبب قربه من السُّلطة الدِّيكتاتوريَّة ووعمله لمصلحتها.
لا نستطيع أن نعطي تقييمًا وتقويماً للثقافة الروحيَّة التي أُنتجت في سني الثورة ليس لتراجع الاهتمام بهذا الموضوع على حساب الانشغال بالحاضر السِّياسيِّ وحسب، بل لأنَّ الاهتمام بنقد الإبداع وتقييمه وتقويمه، بل لأنَّ هذا الأمر يحتاج إلى جهد وتركيز كبيرين استهلك الواقع السِّياسيُّ كثيرًا منهما؛ فتراجع الاهتمام بروح الإبداع.
وهذا لا يعني بأن موت الآخر المختلف لم تنتقل إلى أخلاق من انتموا إلى التمرد التاريخي وينتمون،
فموت الآخر الذي عاشها في وطنه وصارت بنية لا شعورية قد انتقلت معه في رحيله.
والحقّ بأنه أسهل ألف مرة ترميم البنية التحتية من أن نعيد للثقافة الموضوعية والروحية حياتها.
