عيسى الشيخ حسن
جاءنا ضيوف من منبج، وكنت يافعًا أسمر مع القوم، فأحفظ مما يقولون شيئًا يسيرًا، وتحدثوا عن عالِمٍ يسمى «المنلّا غزيّل» وعلّق أحدهم، يسمّونه البحتري الصغير، لا أدري كم من الوقت مرّ كي تُعزّز معلوماتي عن الشيخ بصفته معارضًا، وكنّا ننظر بإكبار إلى هؤلاء الواقفين في وجه الطغاة لقول كلمة الحقّ، أو كنّا نحتاج إليهم.
صيف 2006م كنت أزور البلاد فترة العطلة، وجئت أهلي في منبج ومررت بصديقي براء العويس، وكان وقتها مهتمًّا بظاهرة الشيخ، فدعاه إلى بيته، وغنمت معه بعض الوقت، وتفهّمت الشيخ «الأيقونة» الذي وسم منبج بميسمه الخاصّ، العالم العامل، أو المثقّف العضوي.
ونحن هنا في الأسبوع الأدبي وفي سياستنا للاهتمام بالدوائر الأولى التي توصل رسالة الحجر في الماء فتصبح دوائر أكبر، نفسح صفحاتنا اليوم لإلقاء الضوء على ظاهرة أدبية اجتماعية دينية أضاءت هامشًا فسيحًا، في مدينة البحتري وأبي فراس، أقدامها نابتة في الشرق غير بعيد من الفرات، وأنظارها تلتفت أبدًا نحو الشام، شاكرين جميع من ساهموا في هذا الملفّ.
*
البحتري الصغير… محمد منلا غزيل، شاعر منبج وحكيمها
أ. عساف سلمان
كانت المرة الأولى التي رأيته فيها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، في ردهة المركز الثقافي بمنبج. رجل يشرب كأسًا من الزهورات، يعتمر منديلًا أبيض، ويرتدي دشداشة، يجلس بصمت، يقرأ كتابًا بجانب موظف المكتبة، كأنه جزء من المكان لا يفارقه.
للوهلة الأولى، ظننته أحد بهاليل منبج، وحين اقتربت منه، اكتشفت زاهدًا متصوفًا، لا يعبأ بالدنيا، ولا يتزاحم مع الناس على متاعها، في سلامي الأول، التفت إليّ وردّ بأدب جمّ، ثم سألته عن كتاب «هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه، فأغلق كتابه ونظر نحوي قائلًا:
-أهلًا بالنسيب والحسيب.
ظننت أن الحديث موجه لغيري، فإذا به يبتسم ويقول:
-نعم، أنت. أنت نسيبنا.
وقبل أن أستوعب كلامه، بدأ يحكي قصة قديمة عن صلة قربى بيننا، وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، كانت له فراسة تدهش، وبصيرة كأنها تقرأ الناس من الداخل.
قادني بنفسه إلى رفوف المكتبة، وسحب الكتاب الذي طلبته.
عدت إلى المركز الثقافي بعد أيام، فوجدته يعيد ترتيب الكتب بيده، كان يعرف رفوف المكتبة كما يعرف راحة يده، فإذا جاءه طلاب يسألونه عن كتاب، دلّهم عليه في لحظات: الرف كذا، الصف كذا، الصفحة كذا.
كنت كلما صادفته في شارع، رماني ببيت من الشعر أو اصطحبني إلى محل ناسخ الأشرطة، ليعطيني شريطًا بصوته وهو يلقي أشعاره في أفراح منبج وأتراحها.
وفي الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية يتصدر المشهد، لكنه يقدّم شعراء منبج على نفسه، ويشجعهم ويدفعهم إلى الأمام، يمازحهم بلطف:
ـــ يا علي صالح الجاسم، أنت شاعر البوبنا!
ـــ يا حسن النيفي، يا حسين، يا صلاح…
وكانت كلمته تأتي أخيرة، لكنها تبقى في الذاكرة.
رحم الله البحتري الصغير.
الغائب الحاضر في وجداننا الثقافي
حسن النيفي
لعلكَ لا تنجو من الإرباك والحيرة الشديدة حين تتحدث عن المرحوم الأستاذ محمد منلا غزيّل في إطار شهادة وجيزة محدودة الكلمات، وحينَها يستبدّ بك السؤال: أيّ الجوانب من شخصية هذا الرجل أولى بالوقوف من سواها؟ فهو الشاعر والأديب والخطيب المُفوّه والمثقف والداعية، ولعل تداخل هذه الصفات في تكوينه جعلت منه نموذجًا فريدًا ليس في نتاجه الثقافي فحسب، بل في سلوكه أيضًا الذي جسّد ضربًا خارجًا عن المألوف لمفهوم (المثقف) من خلال المواءمة بين نخبوية التفكير وسلاسة الفطرة غير المفارقة لحميميتها الاجتماعية والإنسانية.
ربما كان الشعر هو من أخذ بيد المرحوم الغزيّل إلى ميادين أخرى من الفكر والثقافة والإبداع، ولكن السياسة استبقت جميع تلك الميادين، إذ استحوذت في وقت مبكّر على اهتمام الغزيّل (اليافع) وكانت تجربة الإخوان المسلمين هي الكيان السياسي الذي أطّر نشاط شاعرنا الغزيل، وقد عزّز اندفاعَه إليها –آنذاك- إعجابُه الشديد في مطلع شبابه بفكر (سيد قطب) وشخصيته، شأنه في ذلك شأن معظم الشباب المسلم الذي عايش حالة الإحباط التي أعقبت فشل التيار النهضوي الإسلامي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ووجد في (الدعوة الجهادية) لسيد قطب استجابة نفسية من شأنها أن تنقذ النفوس من غلواء خذلانها.
إلّا أن انتماءه لجماعة الإخوان المسلمين لم يستمر لفترة طويلة، ذلك أن النزوع المعرفي والشغف الكبير بالثقافة قلّ أن ينسجم مع أقفاص الإيديولوجيا ويباس الشعارات الحزبية، فانطلق الرجل إلى رحابة الثقافة والمعرفة والإبداع، ولكنه ظل أمينًا محافظًا على نهجه الإسلامي المعتدل والمنفتح على شتى ميادين الفكر والمواكب لمجمل التيارات الثقافية العصرية.
ولعل الجانب الأبرز في شخصية الغزيّل، وأعني الغنى الثقافي والمعرفي، قد وسم شخصيته بسمتين بارزتين: الأولى، تجسيده مفهوم (المثقف) الذي لا تكمن ثقافته في حيازة المعارف والعلوم والآداب فحسب، بل في مدى امتثاله للقيم الثقافية والمعرفية.
والثانية: تفرّده بالجمع بين نزعتين فكريتين متناقضتين، جعلهما متكاملتين مندغمتين في سلوك إنساني غاية في الرفعة: نزعته المنطقية ذات المنشأ السلفي في التفكير أولًا، وسلوكه الموسوم بصوفية شديدة الحضور ثانيًا، من خلال زهده في الملبس والمأكل والمسكن ورفعة الأخلاق وسموّ النفس من جهة أخرى.
كان خفيف الظل، طيّب الأثر، سمح الخلق، كريم النفس واليد.
رحم الله الأستاذ.
حكاية أديب
محمد بشير الخلف
أولًا. مولد الشاعر:
ولد الشاعر محمد منلا الغزيّل في مدينة منبج عام 1936م، لأسرة تعمل في الزراعة، يفصل بين بيته وجامع الشيخ عقيل العمري المنبجي، صاحب رقصة السماح، شارع فقط؛ لذلك كان يروي لنا أنه كان يشهد الاحتفالات الدينية التي كانت تُقام في حضرة الشيخ عقيل، والتراتيل والأناشيد التي كان لها شديد التأثير في تكوينه النفسي والثقافي.
وما إن بلغ الخامسة حتى دخل مدرسة الكتّاب في الجامع، وبعدها التحق بالمدرسة الحكومية حتى نال شهادة الصف الخامس، ومن ثمّ انتقل إلى مدينة حلب، حيث أتم تعليمه الثانوي في ثانوية المأمون.
وكانت هذه السنوات التي أمضاها في حلب من أغنى السنوات، فقد تشكلت فيها قناعاته الفكرية والسياسية، وكان من أبرز الشباب الذين انخرطوا في الحراك الثقافي والسياسي في خمسينيات القرن الماضي، حيث شهدت سورية حراكًا سياسيًا متسارعًا، كان يُعبّر عنه بانقلابات عسكرية متكررة كل سنة أو سنتين.
وبعد الثانوية، حصل على منحة داخلية من وزارة التربية لدراسة الأدب العربي في جامعة دمشق.
وفي دمشق، دخل منلا غزيّل منعطفًا ثقافيًا وسياسيًا جديدًا، حيث كانت الصراعات السياسية والإيديولوجية في أعلى درجات تمركزها وتكثفها؛ فتعرّف إلى الدكتور عصام العطار، وبعض قيادات الإخوان المسلمين، انتسب إلى حزب الإخوان المسلمين، مدة عامين، ثم غادره بعد خلافات شخصية مع بعض قياداته، وبعد أن أنهى دراسته الجامعية، عاد إلى منبج واستقر فيها مدرسًا لفترة من الوقت، ثم خرج بتسريح صحي.
ثانيًا. اعتقال منلا غزيّل:
تعرّض الشاعر محمد منلا غزيّل للسجن ثلاث مرات؛ أولها كانت في عهد عبد الحميد السراج أيام الوحدة بين سورية ومصر، حيث روى لي أنه التقى بالمفكر الجزائري مالك بن نبي عام 1960م، وكان شديد الاضطراب من شدة الخوف من مخابرات عبد الناصر.
اعتُقل مرة أخرى في الثمانينيات من القرن الماضي، أثناء حوادث الإخوان، على أثر اعتقال قيادات جمعية النهضة في منبج، غير أنّ سجنه لم يتجاوز الأسبوع.
واعتُقل مرة ثالثة بتاريخ 18/3/1986م لساعات قليلة.
وكان لهذه الاعتقالات تأثير سلبي جدًا على نفسيته، فتضخّم عنده هاجس الخوف، وأصبح شديد الحيطة والحذر.
ثالثًا. نشاطه الثقافي:
كان رحمه الله كتلة من النشاط والحيوية، فكلما أغلق النظام في وجهه بابًا، حاول أن يفتح أبوابًا جديدة يصل منها إلى الناس، فبعد أن مُنع من المنابر الثقافية الرسمية، التفت إلى المناسبات الدينية والاجتماعية (موالد– أعراس– تعازي)، فكان يأخذ عشر دقائق أو ربع ساعة من وقت الناس، يبعث فيها برسائل يراها مهمة لأبناء أمته، مع تطعيمها ببعض الإشارات والرموز التي لا تخفى دلالاتها على الناس ولو بشكل مبطّن.
رابعًا. دواوينه الشعرية:
أول مجموعة شعرية له في مرحلة الشباب كانت بعنوان: «طفولة قلب»، ردًا على ديوان نزار قباني «طفولة نهد». وقد نُشرت كثيرٌ من قصائد هذه المجموعة في صحف تلك الأيام، إلّا أنّه أتلف هذه المجموعة وأحرقها بعد انتهاء فورة الشباب.
أما باقي دواوينه، فقد استطاع الأستاذ عبد الستار السعيدي جمعها –أو جمع أغلبها– من خلال ما كان يُسجَّل له بأشرطة كاسيت، وبالاستعانة بأصدقاء كُثْرٍ كانوا يُدوِّنون أشعاره، وكان للأستاذ حسن النيفي دور في ذلك أيضًا، من حيث تبويب تلك القصائد وترتيبها تحت إشراف الأستاذ محمد منلا غزيّل، فجُمعت أشعاره كاملة تحت مسمّى: «الأعمال الكاملة»، وقد كتب المقدّمة لها الأستاذ حسن النيفي.
جزى الله خيرًا الأستاذ عبد الستار السعيدي وحسن النيفي، حيث أعادا للحياة شعرًا ينبض بالحياة، فالشاعر كبيرٌ وجديرٌ بالدَّرس والاحترام.
وقد طُبعت هذه الأعمال لأوّل مرة عام 1979م، والمرة الثانية عام 2007م.
من دواوينه:
طفولة قلب (1954م)
في ظلال الدعوة (1956م)
الله والطاغوت (1962م)
الصبح القريب (1959م)
طاقة الريحان (1974م)
اللواء الأبيض (1978م)
البنيان المرصوص (1975م)
خامسًا. حياته الاجتماعية:
قد يكون عدم زواج الأديب محمد منلا غزيّل له انعكاس على حالته النفسية المضطربة والقلقة، وكثير من الكلام كان يدور عن سبب عدم زواجه، مع أنّه أحب في بداية شبابه فتاة شركسية من مدينة منبج، إلّا أنه لم يُوفَّق في الزواج منها، بعد هذا الحب، عاف الزواج مطلقًا، وكان يقول: لم أتزوج، مثل كثير من المفكرين والشعراء، فهذا ابن تيمية، وهذا المعري، وغيرهم كثير».
سادسًا. زهده:
فريد عصره في هذا الأمر، لم يلتفت إلى زينة الحياة ومباهجها، وإنما صرف حياته إلى جوهر الحياة ومعانيها العميقة، ولم يعبأ بزخرف الدنيا الخادع، وإنما كان همّه اللؤلؤ المكنون ولباب الأشياء، فهو أقرب إلى المتصوفة الزاهدين المتقشفين.
وقد عرفناه من قرب، ودخلنا بيته، ودخل بيوتنا، فلم تكن له إلا (كُلابيتان) يبدل بينهما في الصيف والشتاء، وكثير من الإخوة أشاروا عليه في موضوع لباسه وهيئته، فما كان يأخذ برأي أحد في هذا الموضوع، وكان يقول: «أنا ما عدت شكلًا، وإنما معنى، فشكلي لا يهم أحدًا، وإنما يهمكم معناي».
وفي داخل بيته، ليس هناك سوى حصير وفراش متواضع ولحاف، وفي الشتاء، يضيف مدفأة حطب ولا يقبل غيرها.
سابعًا. إقصاؤه عن الفضاء العام:
عمد النظام إلى إبعاد الشاعر محمد منلا غزيّل عن المنابر الثقافية، وحتى الدينية، لأنه خطيب مفوّه، ولم يثنه عن قيامه بدوره كمثقف وداعية إقصاؤه وتهميشه، وفوز المثقفين الانتهازيين والنفعيين بصدارة المشهد الثقافي والفكري، وقد يكون العرفان الوحيد الذي حظي به هو تكريمه من مديرية الثقافة بحلب –أظن عام 2009م– وسُمّيت قاعة المحاضرات باسمه في المركز الثقافي بمنبج، مع أن كثيرًا من الدراسات الجامعية في رسائل الدكتوراه والماجستير تناولت أدبه في المغرب العربي الكبير.
وكان يرغب أن يُنادى بالحكيم أو بالبحتري الصغير، أسوة بالبحتري الكبير، التي تروي كتب تاريخ الأدب أنه قريب جدًا في هيئته وشكله من الشاعر منلا غزيّل، وقد يكون أخذه نموذجًا له.
شخصية فريدة في أسلوبها وتنوعها الثقافي، وفلسفتها الحياتية، عرفته مرتين مرة سماعًا من خلال جيل الخمسينيات الذين عاصروا نبوغه وتميزه وحماسته، ومرة ثانية من علاقتي المباشرة وصلتي به كونه ابن مدينتي وعلمًا من أعلامها البارزين وشعرائها المشهورين ودعاتها المبرزين، بل إن اسمه يقرن مع أعظم الشخصيات المؤثرة في تاريخ منبج وفي تاريخ سورية المعاصر، ووصلت سيرته وأدبه وشعره إلى مناطق كثيرة في العالم الإسلامي، وقد تناولت دراسات أكاديمية عديدة شعره وأدبه الإسلامي، إضافة إلى كتابات ومقالات كشفت عن جوانب من حياته الفكرية والشعرية والأدبية والاجتماعية
صورته الأولى ما زالت ترتسم في مخيلتي وأنا طفل صغير أرقب كل يوم مروره مشيًا على الأقدام، يقطع الطريق ما بين جسر جرابلس وجسر سرب شنكان يخطو في طريق أحد طرفيها وادٍ كبير ممتد، والطرف الآخر أشجار الزيزفون والتوت، يرتدي ثيابًا متواضعة تعبر عن عدم اهتمامه بأناقة المظهر أو رفاهية العيش، بل هي أقرب إلى صورة أهل الزهد من الشعراء والعباد الأوائل، يسبح في عالم من الأفكار متأملًا مسترسلًا، لا يشغله شيء من العالم الخارجي وما حوله من الناس بل يعصف فكره ويحاور نفسه ويغذي عقله.
صور كثيرة، ومواقف شخصية، ومجالس علمية، ولقاءات مسجدية، أو مناسبات عامة كلها تشكل جزءًا من علاقة استمرت لأكثر من خمس وعشرين سنة، وكان آخرها أنه حرص في فترات غير منتظمة على حضور صلاة الجمعة في المسجد الذي أخطب فيه لتكون له مشاركة في التعليق على موضوع الخطبة والإجابة عن أسئلة ثقافية أو دينية عامة، دون الخوض في المسائل الفقهية، ولم تنقطع صلتي به إلا عام 2013م أي قبل وفاته بثلاث سنوات، بسبب تهجيري من مدينتي إلى تركيا، وبعد أن أكرمنا الله تعالى بالنصر وتحرير سورية، أخذت عهدًا على نفسي ألا أدخل بيتًا أو أزور قريبًا أو صديقًا قبل زيارة قبر والدتي أولًا، ثم قبر الأستاذ الشاعر الغزيل، فزرت قبر والدتي بعد عودتي لسورية للمرة الأولى بعد اثنتي عشرة سنة من التهجير والبعد، ثم بحثت عن قبره ولم أستدل عليه رغم استعانتي بالقيّم على شؤون المقبرة، وعلمت بأن أقرب الناس له لم يعرفوا قبره تحديدًا، فقرأت الفاتحة على روحه ودعوت له، وأنا قريب من مكان ضم جسده ومن عالم تسبح فيه روحه بعد أن انعتقت من بدنها الترابي وحدودها المادية.
عرفت الغزيل شاعرًا وأديبًا، وعرفته أكثر من ذلك خطيبًا وداعية، أسرني أسلوبه وفصاحته وسرعة بديهته، كما أسرتني مواقفه الإنسانية، فهو بلا منازع خطيب المجالس وفارس الكلمة، شغل وقته وسخّر أدبه وفكره وفلسفته وثقافته الواسعة بالدعوة إلى الإسلام وسمو مبادئه وتشريعاته على طريقته المتميزة بالحكمة والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، إضافة إلى ما تميز به من قدرة على الإبداع واستحضار الشواهد الشرعية والأدبية وقصص التراث الإسلامي والحياة السياسية والاجتماعية.
فالغزيل كرّاسه في راسه -كما يقال- وعلمه في حافظته التي لا يجاريه بها أحد من معاصريه، فكانت زاخرة بأرقام وتواريخ وأسماء كتب وأسماء مؤلفين وحوادث تاريخية ومناسبات علمية وأدبية وسياسية، كل ذلك يحتفظ له بأرشفة ذهنية أشبه ما تكون بجهاز الحاسوب، إلا أنه محمول معه وجزء منه لا يفارقه، فعلمه في رأسه، ولسانه ترجمان ماهر.
كلام الغزيل يجري على لسانه سهلًا لا تكلف فيه، ما عرف عنه تلكأ في الكلام أو تعثر في العبارة أو خطأ في النحو، وغير ذلك من الأخطاء التي قلما ينجو منها شاعر أو أديب أو خطيب ومتكلم، وهو يعربُ عما في نفسه وفكره بعفوية وفصاحة وتناسق وبلاغة، وكان يردد قول القائل:
ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقي أقول فأعرب
له قدرة كبيرة على تبسيط المصطلحات الدقيقة، وتشخيص المعاني وتقريب الأفكار، ربما تكلم في مسألة تعتبر من دقائق المسائل فبسطها إلى درجة يفهمها الإنسان العامي فضلًا عن المثقف، وقد أكسبته علاقاته بالناس ومشاركاته الواسعة في أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم الاجتماعية قدرة على صياغة رسائله الدعوية وفوائده العلمية والفكرية بما يتناسب مع أحوالهم وتفاوت مستوياتهم واختلاف ثقافاتهم، وربما استعمل أسلوب الالتفات والخطاب المباشر للحضور، فيوجه نظره وكلامه لشخص يعرفه ويشدّ انتباهه بطرفة أو حكمة أو بيت شعر، ولكن هذه القدرة على التبسيط تقابلها قدرة لا تقلّ عنها في الارتقاء بمستوى الكلام إلى درجة من العمق لا يفهمها إلا أهل الاختصاص وأصحاب الشهادات العلمية العالية، وقد رأيت منه ذلك في مجالس كثيرة، فكان إذا تكلم بينهم تكلم عن الأفكار وعن المبادئ وعن القيم العليا وعن الأسس النظرية التي تقوم عليها حضارة الإسلام وعن الخطوات العملية التي تبشر بنهضة حضارية، ومستقبل مشرق، وكان يستحضر دومًا كتابات فيلسوف الإسلام محمد إقبال ومالك بن نبي رائد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين.
تظهر شخصيته وثقافته الواسعة في كل ما يلقيه ويشارك فيه في الندوات والمناسبات والاحتفالات كلماته مملوءة بالتأثير والإثارة، إلى جانب قربه من بيئته الثقافية والاجتماعية، فهو ابن بيئته يعايش الناس ويعرف أخبارهم ويطلع على أحوالهم ويحفظ أنسابهم، ويستفيد من كل ذلك في جذب قلوب الناس، وغرس القيم والمعاني السامية، ونشر الحكمة التي يؤمن بها ويعد من أبرز دعاتها.
ترك الغزيل أثرًا طيبًا وطريقة مؤثرة في بث الحياة في مجالس العلم والمناسبات العامة والأفراح وأماكن العزاء، واستطاع أن يحول تلك المجالس والمناسبات من مجالس للقيل والقال إلى مجالس للعلم والسؤال، ونشر الحكمة والعلم النافع، ولا يمكن لطالب علم عاصره أو قابله إلا ويعترف له بالفضل، فكم من طالب علم تلقّى التشجيع منه وحفّزه على الكلام والمناقشة والحوار، بل يحب دومًا أن يقدّم طلاب العلم ليتكلموا أولًا تشجيعا لهم، أو كان يدعوهم للحوار في موضوع ثقافي أو ديني، وأنا أرى نفسي مدينًا له بالفضل، فأول مشاركة لي بإلقاء كلمة في مناسبة عامة كانت بتشجيع منه، فدعاني لإلقاء كلمة وبعد أن انتهيت كانت له كلمة محورها هو الموضوع الذي تكلمت فيه قبله، ثم استمرت اللقاءات والمناسبات بعد ذلك لسنوات كثيرة، كان يقدمني للكلام والحوار أمام العامة، وفي أي مجلس يجمعنا.. رحم الله شاعرنا وأديبنا الكبير.
رائد التوفيق الثوري بين التراث والمعاصرة
حاوره / براء العويس، عن رابطة نون للثقافة والحوار
انصرف المفكر والشاعر الإسلامي الكبير محمد منلا الغزيّل المنبجي بعد اعتزال التدريس إلى الإنتاج الأدبي والفكري، وكتب في مجلة حضارة الإسلام بعض المقالات وجمعها في ثلاثة كتب: «على طريق الوعي الحضاري العربي الإسلامي» و«في رحاب الأدب العربي» و«كلمات على طريق الوعي الحضاري» وكان لرابطة نون معه هذا الحوار:
أريد أن أتساءل عن رابطة الوعي الإسلامي التي كانت حلم أو تجربة لممارسة إيديولوجية بشكل جماعي أم نواة لمؤسسة مجتمع مدني فكرية تنويرية؟
في الواقع هذه الرابطة كان اسمها أكبر من واقعها التاريخي، لأن الفتى كان خلال ثلاث سنوات تمثل المرحلة الثانوية في حياته قد انتمى إلى إحدى الجماعات الدينية التي لم تكن محظورة في ذلك الحين، وكانت شأنها شأن أي نادي ثقافي مرخص به فكان يتردد إلى مكتبتها وإلى محاضراتها وندواتها وكانت تُصدر جريدة كان اسمها «الشهاب» فكان هذا الشاب يكتب إنتاجه في تلك الفترة من خلال تلك الجريدة.
أما عن ظروف نشأة هذا الرابطة كانت رد فعل طبيعي بحكم الصراع الإيديولوجي حيث كانت هناك رابطة تدعى رابطة الكتّـاب السوريين يديرها بعض المثقفين اليساريين الشيوعيين والتي أصبحت رابطة الكتّـاب العرب ثم اندمجت في اتحاد الكتاب العرب، فأملى هذا الصراع على الشاب أن يبدأ بتأسيس نواة رابطة أطلق عليها باسم «رابطة الوعي الإسلامي» متأثرًا باتجاهات لجنة الشباب المسلم في القاهرة.
ما موقفكم من قضية الأصالة والمعاصرة؟
في الواقع أنا أعتبر نفسي رائد التوفيق الثوري بين التراث والمعاصرة وهذا كان عنوان آخر محاضرة لي في رابطة البحتري رابطة اتحاد شبيبة الثورة في منبج، «التوفيق الثوري بين التراث والمعاصرة» أتخذ شعارًا من قول الإمام علي كرّم الله وجهه: «خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق به التالي ويرجع إليه الغالي، اليمين مضلّة والشمال مضلّة والجادة هي الوسطى»، وهذا تفسير لقوله –تعالى–: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا»، فالوسطية التي تجمع بين محاسن أهل اليمين وأهل الشمال هي ما أتحراه في موقفي الحضاري موفقًا بين الولاء للتراث والمعاصرة، وفي هذا الصدد يقول المستشرق الفرنسي «رينان» إن قادة سفينة التقدم هم الذين اتخذوا احترامهم العميق للماضي نقطة انطلاقهم ويقول الشاعر العربي القديم:
لسنا وإن أحسابنا كرمت يومًا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنـا تبني ونفعل مثلما فعلـوا
هل يمكن صياغة حداثة عربية إسلامية تتخذ مرجعية ثابتة لا تتنكر للتراث وما خصوصية هذه الحداثة العربية الإسلامية؟
في الحقيقة هنا يحضر إلى الذاكرة المفكر الكبير والشاعر الفيلسوف «محمد إقبال»، وإقبال له ست محاضرات في جامعة «مدراس» حول تجديد الفكر الديني في الإسلام وقد جعل إحدى هذه المحاضرات بعنوان خصائص الثقافة الإسلامية ومحاضرة أخرى بعنوان الاجتهاد مبدأ الحركة في الإسلام فخصائص الثقافة الإسلامية وأبرز معالم خصوصيتها هو التوحيد، فقد جاء كل الأنبياء بتوحيد الله –تعالى– والدعوة إلى مكارم الأخلاق.
كيف يمكن إيجاد متحول يستوعب الإشكاليات المعاصرة؟ وما معالم هذا المتحول؟
المتحول في الفروع وليس في العقائد، خاصة العقيدة التي هي «لا إله إلا الله» وهي التي جاء به رسل الله جميعًا «ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت»، أما المتغيرات اليومية فما من يوم ينشق فجره إلا ومناد ينادي يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، فالجديد نواجهه بأقدام ثابتة هناك القيم الراسخة والمعطيات الناسخة معطيات الواقع، فالثبات على القيم هو المقدمة الطبيعية لأي تطوير أو تحديث.
كيف تكون عملية المزاوجة بين التراث والنهضة؟
في الحقيقة مفهوم النهضة تتعدد فيه الأقوال، ولكن أنا يستهويني أن أنوه بــ مالك بن نبي وكتابه شروط النهضة، فله تجربه خصبة كتبت عنها غير مرة، ابن نبي يقول مشكلة الإنسان هي مشكلة الحضارة ومشكلة الحضارة إنما هي مشكلة الثقافة، وليست الحضارة إلا منظومة من القيم الثقافية في مجال التحقق، فهي علم وعمل، وقد قيل في القديم من أراد أن يكون الكامل فليكن العالم العامل، فهناك الأساس العلمي والثقافي والمعرفي ثم يأتي العمل التطبيقي، من النظرية إلى التطبيق فإذا كانت الثقافة تعني القيم والأفكار، فإن الحضارة هي تطبيق وبعث إحيائي لتلك الأفكار في الواقع، لذلك إذا استلهمت تجربة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في مكة، في نشر الأفكار في (الطور الحلبي) قديمًا وحديثًا فإني أطمح بعد الاستقرار المدني مجازًا في تحقيق هذه الحضارة.
من شعره:
خيام الغجر(1)
وتسألني نجمتي في خفر
عن الزادِ، زاد النوى والسفر
وما أفصحت بالسؤال الشفاه
ولكنه اللمح، لمح البصر
يُبلّغ بوح العيون الظماء
ويُذكي بأعماق قلبي الشرر
ويتلو حكاية وجدٍ عميق
به جذوةٌ من شعاع السور
وكم هدهدته أكفّ الأصيل
وضمّته –ثملى– ضلوع السحر
رويدكَ إن انصداع الشغاف
بوهج الشعاف بعيد الأثر
وحسبك منه اندلاع الحروف
وحـسبيَ زادًا سناك الأغر
وقلبي المعنّى على تربها
حصاة تلوّى وما من مستقر
تمزّقه حشرجات انتظار
مريرٍ، وشكوى لهاثٍ أمر
ولكنه اللمح، لمح الصفاء
ولله إيماؤه إذ غمر
بنفسيَ يا لمحُ تلك الدروب
وشجـــــو الغريب وتلك الصور
وأطياف (منبج) عند الغروب
وأحلام (منبج) بين الشجر
فهذا جناحٌ على الغابرين
وهذا جناح على المنتظر
ويمتدّ درب المعنّى الغريب
فيمضي وئيد الخُطا يستمر
ولاقى دمشق على قاسيون
ببوح الحنايا ودفق الوتر
فأشرق لمح الشعاع الحبيب
نقيًّا كجمر اللظى يستعر
في رثائه:
قالت لكَ الدنيا
حسن النيفي
خُذْ ما بنبضِ الكون من خَفَقانِ
واسفحْ شجونكَ في رَحى أشجـاني
واحضنْ طيوفَ النور راعشةَ السنا
تحبو على هدب الدجى الوسنان
لكَ بردُ أندائي وصفْوُ سرائري
وعبيرُ أنفاسي ونفحُ حناني
هذي ابتهالاتي إليك فما الذي
عن سرّكَ المخبوء قد أكفاني؟
أتراكَ تصبـو أم تصدّ عن المنى؟
فلديك خافيتان تصطخبان
أنا في شغاف الكون نفحٌ عـاطرٌ
قد باركته لطائفُ الرحمن
أشرقْتُ بالتوحيد يلهج خافقي
فيسيل ظلّي فوقَ كلّ مكان
فلكمْ صبـوتُ ولكم سكبتِ ليَ المنى
لكنْ بكأسٍ مُترعٍ الخذلان
هل تذكرين (طفولة القلب) الذي (1)
أودى اللظى بنشيه الهيمان؟
أو نجمةً في قاسيون تألقتْ
فغزلتُ من ومضاتها ألحاني
والليلَ في آفاق (منبج) حاضنًا
غرَّ القوافي كالعطوف الحاني
أهنا (الوليد) أراقَ ذوْبَ فؤادِه(2)
ونعى –حزينًا– عزّةَ الإيوان ؟
هزّي جـــــذوعَ العمرِ-منبجُ– هل أرى
سيفًا تقلّدهُ فتى حمدان ؟
أودعتُ خـلفَ الأمس ألفَ حكايةٍ
وطويتُ في جرحي رسيسَ أمانِ
أهواكِ سنبلةً ترفُّ لجائعٍ
وندًى يسيلُ على فم الظمآن
وعقيدةً سمحاءَ يقبر عدلُها
ظلمَ العصور وشرعةَ الأوثان
فلكمْ هفوتُ، وكم كبوتُ، ولم يزل
يجري وراءَ البارقات حصاني
فلكَ القصائدُ أقبلتْ مزدانةً
بدمائـها، خذْها أبا الغزلان
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – طفولة قلب، هو عنوان أحد دواوين الشاعر التي مزّقها في وقت مبكّر من حياته.
2 – الوليد هو أحد ألقاب الشاعر البحتري (الوليد بن عبادة البحتري)
*
أبكيك أم أبكي القوافي؟
الشاعر علي صالح الجاسم
تمرُّ كأنَّ الفجرَ مثلَكَ عابرُ
كما همهماتِ الغيثِ هونًا تَماطرُ
عبرْتَ غريبًا كيف يُمكنُ يا تُرَى
بمنبجَ أن تنساك هذي المنابرُ؟
نعتْكَ أبا الغُزلان كلُّ دروبها
وقد شعرتْ باليتْم حتّى المعابرُ
أأبكيكَ أم أبكي القوافي كليمةً
تسيرُ وراءَ النّعشِ وهي تُكابرُ؟
لسانُكَ سيفُ الحقِّ ما فُلَّ عزمُهُ
تدينُ له في النّازلاتِ البواترُ
هصرْتَ به ظهر الزّمان عزيمةً
لها في ميادين الكفاح مآثرُ
فكنتَ أميرًا في بساطةِ زاهدٍ
وكنتَ حكيمًا ترتجيكَ الأكابرُ
قصورٌ بنتْها في التِّلال ملوكُها
وقصرُكَ شادتْه القلوبُ العوامرُ
ملكْتَ نفوسَ النّاس وهي رضيّةٌ
فحاطتْكَ منها أعينٌ وبصائرُ
وقلتَ إلى الرَّحمن دربيَ واضحٌ
منارته القرآن، والحق ظاهر
مضيْتَ فلا ملَّ اليراعُ خصوبةً
ولا أنتَ هزّتْكَ الرِّياحُ الكواسرُ
بسطْتَ لها جِنْحيكَ دعوةَ صادقٍ
يفيضُ بيانًا «يوم تُبْلَى السَّرائرُ»
*
وقفتُ أبا الغزلان أرثيكَ والدًا
وغامرْتُ.. هل يرضيكْ أنِّي أغامِرُ؟
لعلِّي إذا أحسنْتُ أُرضيكَ شاعرًا
وإنِّي إذا أخفقْتُ.. حظِّيَ عاثرُ
فعذريَ أنّي قد أتيْتُ محاولًا
وأنّيَ قلْبٌ في ودادِكَ عامرُ
وأنِّي إذا حاولْتُ حاولْتُ شاهقًا
وخِلْتُ بأنّي إذ أحاولُ قادرُ
سقى الله قبرًا في مشارف منبجٍ
له في مقامات القلوبِ أواصرُ
شهادات:
كثير من شعراء العربية والإسلام تغنّوا بالثورة الجزائرية وجهادها، وعلى رأس هؤلاء الشعراء شاعر الإسلام في بلاد الشام محمد منلّا غزيّل.. كان يقول الشعر في بلاد الشام، وكان فكر الشباب ومعنوياته تتأثّر تأثّرًا بالغًا بأفكار الغزيّل؛ ففي أواخر الخمسينيّات وأوائل الستينيّات في القرن الماضي، وقبل نجاح الثورة الجزائريّة وبعدها كان الشعب الجزائري يطبّق أفكار الغزيّل على أرض الجزائر جهادًا وتضحيةً.
إبراهيم النويري/ الجزائر
كان الغزيّل رحمه الله علَمًا متفردًّا متميّزًا، أمضى حياته،وكرّس جهده، وأفنى عمره وراء المنابر وحضور المناسبات والقراءة بما ينفع، ولم يكن له صنعة أو عمل سوى ذلك، وكان شخصيّة فريدة في زهده وعزوفه عن متاع الدنيا، وأحسب أنّه كان تقيّا نقيّا لا تشوبه شائبة،ولا أزكي على الله أحدًا، عرفته منذ أن انتقلت إلى الإعداديّة في منبج عام 1973م، وكنت على تواصل معه في كثير من المناسبات واللّقاءات، حيث كانت آخر زيارة له إلى بيتي في حلب عام 2012م، كان باختصار نبراس هداية ومنارة علم، لشخصيّته هالة جذّابة فريدة ومحبوبة بهيئتها وجوهرها وزهدها وهيبتها! بيد أنّ ماتركه من ميراث علمي ومؤلّفات لا يتناسب مع سطوع اسمه…
د.محمد الحاج مرعي
إن الطاقة العقلية لدى الغزيّل، في توثّبها واندفاعاتها، لا تشبهها إلا دفقة العاطفة المتسامية نحو الأكمل والأشمل، ما يجعله يتميّز عن أقرانه الذين كانوا يبدون جدّ عاديين.. أمّا شاعرنا فنظرته ورغبته الشموليّة، كانت ترنو إلى تنوير العقول، وإذكاء روح الوعي، واستثارة العزائم والهمم.. وكان لشاعرنا ما أراد من حياة التقشّف التي لا تشده إلى الأرض، ولا تقصّ أجنحته مشاعره وأحاسيسه المتقدة، لقد خسر في نظر هؤلاء كل شيء، ولم يخسر هو في رأيه ورأي الحقيقة ما يندم على خسارته.
د.عبدالله الطنطاوي
كان إنسانًا، ثابتًا على المبدأ، مُوجِّهًا، شاعرًا، حكيمًا، خطيبًا مُفوّهًا، بشوشًا، كسّابًا وهّابًا، عفيفًا، مكتبةً متنقلة، ذاكرةً عجبًا،
أفنى عُمره في التوجيه والإرشاد لما فيه خير العباد والبلاد، تعرض لنكسات هائلة من الاستبداد، تمثل بالتضييق عليه بعدم الحركة وطوي لسانه، لكنه لم ييئس ولم تفتر هِمّته، فظل صدّاحًا بالحق ضمن سياسة فَنّ الممكن، كان طوّافًا بمدينته، يتجوَّلُ في أسواقها، يُقدِّمُ النّصح لشبابها ويجيب عن أسئلة السائلين ما أمكنه، لم يكن فقيهًا، بل كان مُفكِّرًا حكيمًا، شاعرًا مُرهفًا، يتوق لتحسين حالة الإنسان. لكل شخص من أبناء بلده قِصّة معه، فكان صانعًا من صُنّاع الحياة؛ يهدي الناس ما يبقى ويهدونه ما يفنى.
أ. حسن العويس
