محمّد الحفريّ
الهَمُّ الإِنْسَانِيُّ وَاحِدٌ، والفُنُونُ وَاحِدَةٌ في طَرْقِ الكَثِيْرِ مِنَ المُشْكِلَاتِ وَفِي بَثِّ المَشَاعِرِ وَلَوَاعِجِ النَّفْسِ، وَالاخْتِلَافِ فِي طَرْحِ مَوْضُوْعَاتِ هذِهِ الفُنُونِ وَطَرْقِها، انْطِلَاقًا مِنَ البِيْئَةِ المَحَلِيَّةِ، وَمَا يَعْنِينَا أَحْيَانًا قَدْ لَا يَعْنِي غَيْرَنَا، فَالمَطَرُ قَدْ لَا يَهُمُّ فِي بَلَادٍ أُخْرَى، لِأَنَّهُ دَائِمٌ، وَالشُّرطيُّ قَدْ تَكُوْنُ لَهُ مَهَامُّ أُخْرَى غَيْرُ مَهَامِّهِ فِي بِلَادِنَا، وَنُؤَكِّدُ هُنَا الحِكَايَةَ، لِأَنَّهَا مِنْ تُرَاثِنَا وَالتُّرَاثُ العَالَمِيُّ مِنْ جِهَةٍ، وَلِأَنَّ أَيَّ كِتَابَةٍ لَا تَقُوْمُ مِنْ دُونِهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
يُذْكَرُ أنَّ بريخيت قدْ أَخَذَ أَهَمَّ مَسْرَحِيَّاتِهِ مِنْ حِكَايَةِ صِيْنِيَّةِ، وَهِيَ تَحْمِلُ عُنْوَانَ: «دَائِرَةِ الطَّبَاشِيْرِ»، وَمَعْرُوفٌ أنَّ الآخَرَ هُوَ السَّبَّاقُ فِي أَغْلَبِ الفُنُونِ، «مُرْتَفَعَاتُ وذرينغ، دون كيشوت، الشَّيْخ والبحر، الحرب والسَّلَام، الجَرِيْمَة والعِقَاب»، وَالأَمْثَلَةُ لَا تُحْصَى عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ تَخْتَلِفُ كِتَابَاتُهُمْ عنَّا في مَسْأَلَةِ الغَرَائِبِيَّةِ وَالجَانِبِ الغَامِضَ لِلمَصَائِرِ وَالاشْتِغَالِ عَلَى الجَانِبِ النَّفْسِيِّ، وَقَدْ نَلْمَحُ ظِلَالَ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ فِي الكَثِيْرِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَأَقْرَبُ مِثَالٍ هُوَ التَّشَابِهُ بَيْنَ شَخْصِيَّةِ الزِّيْرِ سَالَمٍ وَشَخْصِيَّةِ هَامِلت، وَتَلِكَ الظِّلَالُ تَظْهَرُ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ فِي أَعْمَالِ «هوليوود» الَّتِي اسْتَنَدَتْ إِلَى أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ الََّتِي لَمٍ تَسْتَطِعِ الدَّرَامَا العَرَبِيَّةُ أَنَّ تُجَسِّدَهَا كَمَا الدَّرَامَا الغَرَبِيَّةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تِلْكَ مِنَ المُشْتَرَكَاتِ الَّتِي يَتَقَاسَمُهَا التُّرَاثُ العَالَمِيُّ.
تُمَاشِيْ أَغْلَبُ الأَعْمَالِ الأَدَبِيَّةِ الخَيَالَ وَالوَاقِعَ مَعًا، لَكِنَّ غَيْرَنَا تَجَاوَزَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ بِالذَّهَابِ إِلَى الافِتِرَاضِ، وَهَذَا مَا فَعَلَهُ جُوزيه سَارامَاغُو فِي رِوَايَةِ: «العَمَى»، فَهُوَ يَفْتَرِضُ أَنَّ أَهْلَ المَدِيْنَةِ جَمِيْعًا قَدْ أَصَابَهُمُ العَمَاءُ، فَيَسْطُو الأَقْوِيَاءُ عَلَى قُوْتِ الضُّعَفَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ الحَالُ فِي رِوَايِتِهَ: «انْقِطَاعَاتُ المَوْتِ»، وَالتَّوَحُّشُ الَّذِي يَظْهَرُ لَدَى أَبْطَالِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ صَاحِبُ رِوَايَةِ: «العِطْرُ قِصَّةُ قَاتِلٍ» باتريك باسكيد.
لَوْ قَارَنَّا النَّمَاذِجَ السَّابِقَةَ بِرِوَايَاتٍ عَرَبِيَّةٍ شَهِيْرَةٍ، مِثْلِ رِوَايَةِ: «عَزَازِيْل» ليوسف زيدان لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَنْشدُّ إِلَى الوَاقِعِ بِتَلِكَ الوَثِيْقَةِ التَّارِيْخِيَّةِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، وَالأَمْرُ يَتَكَرَّرُ فِي رِوَايَةِ: «النَّبطِيّ»، وَبَعْدَهَا يَدْخُلُ فِي مَعْمَعَةِ الوَاقِعِيَّةِ فِي رِوَايَةِ: «غُونتنامو».
وَتِلْكَ الوَاقِعِيَّةُ لَمْ يَسْتَطِعِ العِرَاقِيُّ وَارد بدر السَّالِم الخُرُوْجَ مِنْهَا فِي رِوَايَةِ: «الحُلْوَةُ»، وَيَنْطَبِقُ ذَلِكَ عَلَى الكُوَيْتِيِّ سعود السُّنوسيّ فِي رِوَايَةِ: «سَاقُ البَامبو»، وَكَذَلِكَ هُوَ حَالُ رِوَايَةِ: «تَرْمِي بِشَرَرٍ» لِمُؤَلِّفِهَا السَّعوديِّ عبده خال.
الوَاقِعِيَّةُ جَمِيْلَةٌ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَعْمَالٍ جَمِيْلَةٍ بِحَقٍّ، لَكِنْ يَجِبُ الاعْتِرَافُ بِتَفَوِّقِ الأَعْمَالِ العَالَمِيَّةِ مِنَ النَّاحِيَةِ التَّقَنِيَّةِ عَلَى الأَقَلِّ، وَمَا يَجْدُرُ التَّنْوِيْهُ إِلَيْهِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ نَاجِحٍ مِنْ جِهَةِ الْتِصَاقِهِ بِمُجْتَمَعِهِ هُوَ عَمَلٌ عَالَمِيٌّ.
يُقَالُ: إِنَّ رِوَائِيًّا عَالَمِيًّا زَارَ مَدِيْنَةَ الرَّقَّةِ، وَحِيْنَ شَاهَدَ المَجَالِسَ وَالمَضَافَاتِ فِيْهَا قَالَ: هُنَا تُكْتَبُ الرِوَايَةَ.
وَسُئِلَ المَسْرَحِيُّ السُّوْرِيُّ فَرْحَان بلبل عَنِ التَّفَوُّقِ الَّذِي حَقَّقَهُ الجِيْلُ القَدِيْمِ وَالتَّفَوُّقِ الَّذِي حَقَّقَهُ الجِيْلُ الجَدِيْدُ، فَقَالَ: لَقَدْ تَفَوَّقْتُمْ عَلَيْنَا بِالتَّقَنِيَّاتِ، وَتَفَوَّقْنَا عَلَيْكُمْ بِالحِكَايَةِ.
وَحِيْنَ عَادَ الطَّيِّبُ صَالِحٌ إِلَى بَلْدَتِهِ كرمكول بَعْدَ غُرْبَةٍ دَامَتْ سَنَوَاتٍ طَوِيْلَةً قَالَ أَهْلُ البَلْدَةِ بِلَهْجَتِهِمُ الخَاصَّةِ: «سَمِعْنَا أَنَّكَ بَقِيْتَ كَاتِبًا كَبِيْرًا»، عِنْدَهَا طَلَبَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَ مَقْطَعًا مِنْ كِتَابَتِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ رَأْيِهِمْ فِيْمَا سَمِعُوْهُ، فَقَالُوْا: «دَه كَلَام يُشْبِهُ كَلَامَنَا، لَكِنْ فِيْهِ لولوة»، فَقَالَ: «اللولوة دي هِيَ الكِتَابَةُ»، وَرُبَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَقْنِيَّةَ الكِتَابَةِ.
مَا تَقَدَّمَ هُوَ جُزْءٌ بَسِيْطٌ مِنَ الحِكَايَةِ الَّتِي تُعَدُّ إِرْثًا عَالَمِيًّا وَالاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ تَقَدِيْمِ هَذَا الإِرْثِ بِطَرِيْقَةٍ حَدَيْثَةٍ وَلِحَدِيْثِنَا بَقِيَّة بِالتَّأْكِيْدِ.
