ـ فدوى العبود
إذا كانت اللغة مذكّرًا فكيف تكتب الأنثى؟ هل تبتكر لغة خاصة بها أم تتقلب بين المفردات فلا تجد ما يروي ظمأ القول لديها؟ ولماذا تمور أغلب كتابات المرأة وهواجسها بالقلق ومفردات الغدر؟ هل تكتب بوعي أم تتدخل مخاوفها في فنّها وتستيقظ طفولتها فتصبغ رؤيتها؟
وما الكتابة؟ هل هي إثارة التساؤلات ووضع المتعارف عليه تحت عدسة الشك لتفنيد الثمار المتعفنة من الصحيحة في السلة؟ ومن الذي يحدد صلاحية هذه الثمار من عدمها؟ لا مسار واحدًا في مغامرة كتابة المرأة، فقد تنوّعت بين توثيق القهر الذي تمارسه الثقافة عليها، إلى تحليل انكساراتها بلغة سلبية، أو تمرّدت فوقعت في فخ المغالاة، وفي كل حال بدت مشغولة في كتابتها بالأسئلة أكثر من رغبتها في العثور على إجابات.
وفي حالات كثيرة تنازعتها الرغبة والخوف، وهذا ما تتسم به، بشكل عام، نصوص الكاتبة غادة السمان؛ إذ يلمس القارئ لأعمالها: «عيناك قدري»، «القبيلة تستجوب القتيلة»، و«الحبيب الافتراضيّ» مزاجًا نزقًا تتذبذب فيه صورة الرجل بين المكر والغدر أو الحبيب المشتهى، لتوحي أن صورتين كانتا تحكمان هذه الأعمال، الإنسان المتخيّل: المحبوب المرغوب والمشتهى، والكائن الواقعي من دون أي تدخل لعمل المخيلة التي وصفها شيلي يومًا بأنها «تجعلنا قادرين، أن نخلق ما نرى»، إذ تحلق هذه اللغة في عالم من الأمل والأمان فهو صنوها وقرينها كما أنه مصدر الفرح والضوء… تقول السمان:
يولد منك الفرح والضوء، والفراشات الملونة والطيور
لقد أحكمت على نفسي إغلاق قوقعتي
فكيف تسلّل صوتك إليّ، ودخل منقارك الذهبي
حتّى نخاع عظامي…
لكن هذه الصورة لا تدوم، إذ تعقبها صورة أخرى يولدها القهر الممتد في عظام المرأة إلى زمن قديم، وهي لا تخرج عن الصورة التقليدية التي انبثقت من أشد مخاوف المرأة عمقًا: فهو مراوغ ولا يوثق جانبه، عاجز عن الحب، وفاقد لهذه المقدرة التي تمتلكها المرأة وحدها.
لم تكن أكثر من صبي مغرور
خرج لصيد أيّ عصفور ملوّن، في الحقل المجاور
ما كان بيننا لم يبلغ لديك مرتبة الحبّ
كان مجرّد تواطؤ…
يمكن تشبيه هذه اللغة الجامحة والمتمرّدة بالمدّ والجزر، تجمح مدفوعة نحوه وإذ بها تخاف فتتراجع، إلى مواقعها لتعيش والصورة المتخيّلة له: أيها الشفاف النابض كلهبةِ شمعة، ارمِ من يدك قبضة خنجرك وخذ بيدي.
لكن الرجل الواقعي يظهر فجأة في المشهد الذي كان شاعريًّا منذ قليل وهو متبلّد المشاعر، كاذب يفعل الشيء وضدّه، والمرأة هي الطرف المخدوع أو الذي لا يريد أن يرى الحقيقة… تكتب في «الحبيب الافتراضيّ»: «كذبت عليّ وزعمت أنني عاصمة قلبك، واكتشفت أنّي كنت ضاحية مهملة في ضواحيه».
فالمرأة حسب تصورها هي شهرزاد الذكية التي تقوده في عملية الحب، وتتولى أنسنة توحّشه؛ وحين سئِلت في كتابها «القبيلة تستجوب القتيلة» عن رؤيتها لقصة شهريار أجابت: «هي ببساطة: كان يا ما كان ملك نصف جسده الأسفل يعمل بنشاط كأكثر الرجال، ونصفه الأعلى مشلول… ثم جاءت امرأة هي شهرزاد وجعلته يكتشف أن له رأسًا بين كتفيه»، تمتلئ هذه العبارة بالاحتقار الضمني، فالمرأة تملك ميزة السمو به؛ وهي التي ستستخرج منه الحب والعطاء بقدرة وذكاء شهرزاد، التي تعرف حقيقته أكثر مما يعرف عن نفسه، «أرى الرجال كما يرى الطفل ذلك الملك الأسطوري عاريًا، من ثيابه التي تمتدحُها الحاشية».
بين العاشق الذي لا يؤتمن والإنسان، العتمة والضوء، الحب والكراهية، والحاجة والخوف، الأنثى، الخائفة منه والإنسانة التي تريد أن تسمو بشراكته، إنه المهيمن عليها روحيًّا في «عيناك قدري»، إذ تحكي قصة امرأة تخاف من العنوسة، وهي في تقلّب مرير بين الإقدام والتردد، هي تعاني أسوأ أنواع التمثل والانصهار العاطفي معه وهي من دونه لا شيء، تذوب فيه حتى تفقد كيانها، «وعينا عماد تلاحقانها تثيران حنينها إلى شبابه، تتمنى أن تفنى عند جذوره»، يظهر الرجل نصف إله: «تحس بحاجة مجنونة إلى أن تركض وراءه وتسير بجانبه، مخلوق رائع ذلك الرجل»، وهو يبدو في شخص الكوافير الذي يظهر وكأنه يمنح المرأة وجودها وهي من دونه ميتة، وفي الفصل الأول: نرى أنها رفضت الزواج وحين تزور صديقتها التي أنجبت طفلًا، تشعر بالبرد الروحي الذي تكابده من لا تعيش مع رجل، واللافت أن صورة النساء في هذا العمل كانت تقدمهن بوصفهن سلبيات خانعات، إنهن كالدمى، وجاك الحلاق هو صانعهن، إنهن بلهاوات والرجل مثقف وهادئ وجميل، لكن تنقلب الصورة كليًا في قصة «القطة» التي ترسم صورة للرجل يبدو نصف إله بجبروته وقلة اكتراثه في مقابل الأنثى التي تمور بالخوف والحب وتتأجج بالرغبة والصبر وتارة بين رغبتها في الانتقام منه والرغبة والكراهية تتأرجح صورة الرجل مرميًا في فضاء متوحش بليد ورغبته في الانتقام كبيرة.
فالصيغة التي وسمت لغة غادة السمان بين الألم والقلق، وهما ثمن الحب الذي تمنحه له من دون استحقاق ذاتي، إذ لم تستطع المرأة في أعمالها رؤية نفسها خارج مداره كإله تارة وكمخادع في أخرى، هذا جعل لغتها تتراوح بين الحدة والمبالغات الدرامية التي بدت رغم حميميتها ذات نزوع تراجيدي يعكس وعي المرأة المنقوص بجسدها، وتقلبت بين الألم والرغبة التي لا يمكن أن تهبها لها إلا يد الرجل، «بينما تدحرجت دموع حمراء من ثقبين مظلمين في وجهه، واقتربت منه قطة ضائعة وأخذت تعوي وتموء… بطريقة إنسانية مسعورة، فيها حرقة غريبة ولوعة مبهمة، ولكن صرخاتها ضاعت مع دموع صانع الدمى في حفل المدينة الكبير».
لقد جسّد الصوت الأنثوي في أعمالها هذا الخوف الأصيل في عظام المرأة من الآخر، وكتبت بروح الأنثى لكن وجدت أمامها لغة مذكرة يصعب اختراق قشرتها الصلبة، فراوحت في نبرة التمرد، ولم تستطع تأسيس وعي أنثوي حقيقي لا تبحث فيه المرأة عن كمالها في الآخر، بل في كينونتها الإنسانية، لينطبق على نصها وصف الناقد السعودي عبد الله الغذامي «ولئن وجدت المرأة لغتها التعبيرية على السطح، إلاّ أنها تفقد قدرتها على التنفس إذا ما غاصت في أعماق اللغة، ولذا تستنجد بأوكسجين اللغة المذكرة لتجد طريقها».
المقالة من ملف “غادة السمان ياسمينة السرد الشامية” المنشور في العدد 1918 من الأسبوع الأدبي
