بقلم: حسن عبد الكريم مهان
في صمت التاريخ، هناك صرخةٌ لا تزال ترتدّ بين الجبال والوديان… صرخةُ الإنسان السوري، الذي عاش مراحل من الانكسار والنهضة، بين وطنٍ كان الحلم، وواقعٍ بات الغبار، ومستقبلٍ يتوارى خلف الضباب.
الماضي… حين كان الوطن دفئًا لا يُطال:
ذات يوم، كان السوري يحيا بين شوارع دمشق القديمة، يستنشق عطر الياسمين، ويحفظ حكايات الأجداد المنقوشة على جدران البيوت. كان الانتماء بديهيًا، والوطن لا يحتاج إلى تعريف.
لكن تحت هذا السطح الجميل، كانت الخيبات تتراكم بهدوء، وكانت الحرية حلمًا مؤجلًا، يختنق في زوايا الرقابة والخوف.
ثم جاءت لحظة الانفجار، لحظة الثورة، لا كبداية دمارٍ بل كبداية وعي. ارتفعت الأصوات تطالب بالكرامة، بالعدل، بالتغيير، لتبدأ رحلة السوري مع التاريخ من جديد… ولكنها كانت رحلة محفوفة بالدم والوجع.
الواقع… حيث لا بيت بلا غياب:
اليوم، يتنقّل السوري بين مخيمات الشتات وأحياء فقدت ملامحها. ينظر خلفه، فيرى ذكريات مدمّرة، وينظر حوله، فيجد وطنًا يتكلم بلغات منفية، وسلطة تتبدّل في كل شارع.
الاقتصاد منهك، المجتمع متشظٍ، والإنسان يُعيد تشكيل حياته من فتات الذاكرة والنجاة.
ومع ذلك، تجد في عينيه نورًا خافتًا لا يُطفأ… لأنه لا يملك ترف اليأس.
المستقبل… وطنٌ يُبنى على الحرف والصبر:
ليس للسوري ضمانات، لكن له إرادة لا تعرف الانكسار.
الجيل الجديد، ذلك الذي وُلد تحت القصف أو في غربة المنافي، بدأ يتعلم أن الوطن لا يُسترد بالحنين فقط، بل بالعلم، بالفن، بالفكرة.
هم يرسمون سورية جديدة، لا تشبه الخرائط، بل تشبه الحلم.. سورية لا تقوم على الطوائف، بل على العدل، لا تُدار بالخوف، بل بالحب.
معاناة الإنسان السوري ليست مجرد قصة تُروى، بل درسٌ عالمي عن الكرامة، فهو الإنسان الذي ما زال يحمل وطنه في قلبه، رغم أن الوطن قد لا يحمل اسمه بعد.
يا وطنًا يسكن الذاكرة ويُسجَن في الندبة:
في زوايا الأرض المنهكة، يسير السوري وفي قلبه صراعٌ بين حلمٍ غابر وواقعٍ مشوّه.
كان بيته شجرة، ومقعده ظلًّا، وصوت أمه أنشودة فجر. ثم جاء الليل بأسنانه، فابتلع الضوء، وهدم الجدار، وبعثرَ الطفولة على أرصفة المنافي.
من تحت أنقاض البيوت تُولد أغنية:
صوتها متقطّع كنبض يتوسّل الحياة… طفلٌ يبحث عن كتاب بين الركام، وامرأة تخيط الأمل على قماش ممزّق، ورجل يتذكّر شجرة التين في حديقة الغياب.
الشتاء ليس بردًا فقط، بل اختبارٌ للكرامة:
أن تعيش بلا سقف، بلا كهرباء، بلا وطن… وتظل تقول لصغارك: “غدًا أجمل.”
وفي وجه اليأس، يرسم السوري خارطة نجاة، يربي الحرف، يغنّي للحرية، ويقيم أعراسًا في المخيمات كي لا يُطفأ نور الفرح.
الحرف مقاومة، واللوحة ملجأ، والصوت وثيقة نجاة:
همس الثورة في حناجر الحالمين، لا يُكتم. السجون لا تصادر الفكرة، والحصار لا يقتل الذاكرة.
السوري لا يموت، بل يتحوّل إلى قصةٍ تُروى… وإلى عينٍ تُقاوم العتمة بالنظر إلى السماء.
صوتٌ من الرماد:
في مساءٍ من شتاء الغضب، حين سالت الشوارع بالحناجر لا بالأنهار، خرج السوري وفي عينيه شرارة النجاة.
قالوا إنها ثورة، لكنها كانت انفجار روحٍ ظلت مكمّمة لعقود، وأملٍ يركض وراء الأفق غير عابئٍ بالرصاص.
كان الحلم أن ينكسر القيد، أن يُعاد تشكيل الوطن على هيئة العدالة. لكن ما إن خفت صوت الجموع، حتى ارتفعت ألسنة النار من كل صوب، تنهش البيت والجدار والذاكرة.
ما بعد الثورة، لم يكن هدوءًا… بل اختبارًا للنجاة:
الإنسان السوري وجد نفسه بين فوهات البنادق، وعواصف التهجير، وانكسارات الأمل.
خسر مدينته، بيته، وربما وجهه حين اضطر أن يُعيد تشكيل ذاته في أرض لا تشبهه.
لكن السوري لا ينكسر، بل يشتد.
في المخيمات، كتب قصصه على أقمشة الغبار.
في المنفى، زرع شتلات من الأمل رغم البرد.
في الجامعات، صار صوتًا يشرح وجع وطنه بلغة العالم.
ومع كل تحدٍّ جديد، يصعد السوري درجة نحو الضوء، يحفر نفقًا في جدار المستحيل. يتعلّم أن المستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع من بين الحطام، ويُصاغ بالحرف، بالصبر، وبالرؤية البعيدة.
هو الآن لا يحمل ثورة، بل يحمل إرثًا:
إرثًا من الوجع والتحوّل، ومن الإصرار على أن الإنسان أثمن من التراب، وأن الوطن لا يُعاد ببندقية، بل بفكرة، بحب، وبحلمٍ لا يُقهر.
افتتاحية العدد 1918 من جريدة الأسبوع الأدبي الصادرة بتاريخ 7/8/2025
