(ما نحتاجه.. قطرات)… في افتتاحية جريدة الأسبوع الأدبي
كتب رئيس اتحاد الكتاب العرب محمد طه العثمان في جريدة الأسبوع الأدبي بملفها الخاص عن حرائق الساحل:
منذ سنوات إلى اليوم، وفي كل شبر من هذه البلاد، ظلت النيران تأكل أحلام البسطاء وتحرق قلوب الحالمين وتنهش في جسد الوطن، وكأنها قدرنا المكتوب، فما إن تنطفئ في بقعة حتى تلتهب في أخرى، ونحن نسير على هذا الصفيح الملتهب، نحاول جاهدين صنع فضاءات مضيئة وآفاق خلابة.
في ظل هذا الواقع المؤلم، يبذل رجال ميزتهم النخوة جهودهم لإطفاء هذه النيران، في الوقت الذي يجاهد فيه كل طرف فوق هذا الصفيح الملتهب للتمسك بمظلوميته، ويسعى لحرق الآخر، ويجد المسوّغات لتلتهم ناره من هو مختلف عنه.
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف لا يدرك من يشعل نار الفتنة أنه سيأتي يوم وتحرقه؟ وكيف لا يدرك من يهدم بناء الرحمة بيننا أن بيته سيسقط أولاً وأخيرًا حين تتداعى بيوت جيرانه؟ نحن اليوم في منعطف خطِر، وهذه النار ناقوسٌ لنا جميعًا، إنها ليست نيرانًا تأكل غاباتنا الجميلة، بل هي نيران الفتنة والتشتت والضياع.
ما نحتاجه هو قطرات من ماء التعايش وتفهم المختلف عنا، وأمطار الحب لتغسل آثار الحرب والموت في نفوسنا قبل الجبال والوديان، نحتاج إلى أن نعيد بناء جسور الثقة والاحترام بيننا، وأن نعمل معًا على صنع مستقبل أفضل لهذا الوطن، وإلا فلن تبقى لنا سوى الأرض اليباب، ولن يبقى لنا سوى موسم الإقصاء والتخوين، نعم سيكون كل ذلك إذا لم نتحرك لوقف هذه النار التي تأكل قلوبنا وتهشم أعمدة الإنسانية والتعايش.
يقول أفلاطون: «القليل كافٍ لمن يفهم»، إننا لا نحتاج إلى الكثير لنكون سعداء، بل نحتاج إلى قليل من السلام، قليل من التفهم، قليل من الجمال، قليل من الحب وهذا القليل كفيل أن يملأ أرواحنا، ويقوّم أنفسنا.
قيل لأعرابي: مَن أكرم الناس عِشرة؟
قال: «من إن قَرُب منح، وإن بَعُد مدح، وإن ظُلِم صفح، وإن ضُويِق فسح، فمن ظَفر به فقد أفلح ونجح».
«فالسعادة تعتمد على أنفسنا»، كما أكد أرسطو؛ لأن الحياة ليست بحاجة إلى صدمة لتتغيّر، بل إلى قطرة صدق، لتسقي أرضًا يابسة في أعماقنا.
ما نحتاجه حقًا ليس سيلاً من الوعود، ولا طوفانًا من الخطابات، بل نحتاج إلى «قطرات» صادقة، تتدلّى من إنسانيتنا، وتقفز في السبل التي تجمعنا في حياة واحدة، فربّ قطرة تُحيي أملاً، وتعيد بناء ما تهدّم، وتكون نواة لتغيير أكبر، لنكن نحن تلك القطرات، في بيوتنا، في أعمالنا، وفي تعاملاتنا، فربّ تغييرٍ كبيرٍ بدأ بقطرة صغيرة.
