كيف يكون الشاعر ناقداً؟ … د. اسليم يعرض واقع الشاعر الناقد في مثالين هما المعري وابن الخطيب (نقلاً عن الوطن)

مصعب أيوب

نظراً لنقاط التشابه والاشتراك بين الشاعرين أبو العلاء المعري ولسان الدين بن الخطيب اتجه الدكتور فاروق اسليم إلى تأليف كتاب في 120 صفحة من القطع العادي من إصدارات اتحاد الكتاب العرب يتمحور في جله حول الشاعر الناقد وحمل عنوان «الشاعر ناقداً المعري وابن الخطيب نموذجاً»، ولاسيما أنهما ينتميان إلى بيئتين مختلفتين فأحدهما كان في منطقة المشرق والآخر عاش في الأندلس، إضافة إلى أن كل واحد منهما عاش في فترة زمنية مختلفة عن الآخر، إلا أن كلاً منهما شغل الناس بفكره وأدبه واتهم بالزندقة، وقد كان المعري مبتعداً عن شؤون السياسية وأهلها، عن حين كان ابن الخطيب من المنخرطين في هذا الجانب، ويأمل اسليم أن تجيب دراسته هذه عن أسئلة كثيرة حول هاتين الشخصيتين الإشكاليتين وتحديداً ما يتعلق بمجال نقد الإبداع الشعري.

أصالة وقيم نبيلة

ومما خلص إليه البحث الذي تمحور حول «سقط الزند» للمعري بروز معالم عدة لنسق ثقافة الجاهلية لدى المعري في «سقط الزند» بأسلوب يتلاءم مع الإبداع الشعري في هذا الديوان الذي يتوجه أساساً للقارئ، وأن المعري نظر نظرة إيجابية إلى القيم البدوية وذلك بدا جلياً من خلال تحيزه إلى أسلوب الحياة البدوية في السقط، وأيضاً إلى قيمها وإلى الأصالة العربية وإلى الشعر العربي ببنائه وجماليته.

ويدين المعري القيم البدوية القائمة على أن يأكل الفارس بسيفه وألا يدين لسلطة سياسية أو دينية، كما بدا لدى المعري أن النموذج الإنساني المفضل لديه هو الذي يجمع ما بين الإنسان البدوي والمتحضر، وهي صفة أصحاب القصور الذين يستمدون القيم النبيلة من البادية ويستمدون منها قيم العدل والدين وغير ذلك، إضافة إلى أن المعري جمع بين قيم البدو والحضر بأسلوب عربي أصيل مرتبط بالثقافة الجاهلية، فيجمع بين الأصالة والمعاصرة فكراً وإبداعاً وشعراً.

كما أشار اسليم إلى أنه من خلال تتبع آراء المعري نستنتج أنها تندرج في ثلاثة مجالات أساسية وهي: وقوف المعري في السقط عند السبق الإبداعي، وتمثيل الشعر للحقيقة، مشيراً إلى أن الشعر الإبداعي هو نتاج الذات المبدعة إن تهيأ لها الفكر الخلي، وأشار أيضاً إلى أن مصادر هذا الإبداع مبنية على المعرفة والموهبة والدربة.

والمجال الثاني هو منزلة الشعر ووظيفته التي تعد من مظاهر التفاخر والتمايز بالفصاحة والعروبة وبأنها وسيلة لحفظ المآثر، غير أن هذا التعظيم لشأن الشعر ينقصه ما أنشده المعري مجاملة لأصحابه.

وأما عن المجال الأخير فقد غلب على نقد المعري للنص الشعري شعراً أن يرفع أو يخفض قيمة النص بناء على منزلة صاحبه عنده، كما لم تخل أحكام المعري النقدية من إشارات فنية وجمالية إلى أثر اللفظ المطرب في النفوس وكذلك الإشارة إلى بناء النص، وإلى أهمية تنوع أساليب الخطاب تبعاً لموضوع النص.

فخلص اسليم إلى أن المعري كان متبايناً في آرائه النقدية للشعر في خطبة الديوان وفي نصوصه، فقد كان المعري ناقداً مفكراً في خطبة الديوان، وشاعراً نثر بعض الآراء النقدية في نصوصه الشعرية، وقد أبرزت الدراسة جانباً إنسانياً للمعري من خلال الإضاءة على أهمية الجانب الاجتماعي في إبداع الشعر ونقده.

جهد تاريخي ونقدي

وفيما يخص أدب ابن الخطيب فقد تجلى خلال ستين نصاً شعرياً أحكام غلب عليها طابع التحديد البلاغي، وهي مبنية على الذوق والتجربة، فكان ديوانه نتيجة جهد تاريخي ونقدي من ناحية الاختيار والترتيب مقدماً إشارات تاريخية مهمة، وأحكاماً نقدية مجملة ومحددة بمصطلحات البلاغة، كما أن مفهوم الشعر في ديوانه قلق جداً، فاضطرب في التمييز بين النظم والشعر، كما أنه عجز عن وضع ما يفصل بين السحر والشعر واحتكم إلى الدين في نقد مضامين شعره، فكان نقده في هذه الدائرة أخلاقياً دينياً لا غير.

وفي الوقت ذاته، فإن نظم الشعر عند ابن الخطيب جاء استجابة لبواعث خارجية تتطلبها أعباء الوزير في بلاط بني الأحمر، من جهة تسجيل الحوادث والإنجازات التي تقوم بها الدولة، والانحياز إلى توجهاتها في ميدان الشعر، وعليه فقد بات الشعر مهنة نزيهة وشريفة، وفي الوقت ذاته هو نابع من نزعات داخلية، إلا أن الطابع الغالب عليها عقلي وليس عاطفياً، ولكن الشاعرية لم تكن تخترق الحجب السياسية والدينية والاجتماعية التي ألقت بظلالها على إبداع الشاعر ونقده، وقد بات ناظماً يؤرخ بالشعر، وليس شاعراً يعبر عن نفسه، وقد غلب على أحكامه النقدية الاضطراب، والتوصيف الذوقي والأخلاقي المناسب لمقتضى الحال.

وأشار اسليم إلى أن ابن الخطيب يجتمع في شعره مذهبا العرب والمشارقة كما كان مألوفاً عند الأندلسيين، كما أن نقد ابن الخطيب للنص الشعري توزع بين الاعتذار لنصه أو الاعتداد به ومراجعة نصوص غيره وتحكيمها، فمراجعته وتحكيمه لبعض النصوص غلب عليها طابع المصانعة والمجاملة لبعض الساسة والأدباء والأعيان في عصره.

فنقد الشعر في ديوان لسان الدين يشير إلى آراء متنوعة المشارب والمواطن فهو يمتلك من أدوات النقد الأحكام الذوقية، فالعمل بالسياسة صرف ابن الخطيب عن قول ما عنده في نقد الشعر على نحو أكثر أهمية تنظيراً وتطبيقاً.

أخيراً، فإن كلاً من المعري وابن الخطيب يعدان علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية وفي موقف كل واحد منهما تجاه الشعر شيء يضيء على ملامح خاصة بشخصيته وهو ما يعرفنا بجوانب الثقافة العربية التي حاز فيها الشعر موضع الصدارة، فقراءة نقد كل منهما يسهم بشكل كبير في إظهار رؤية كل منهما نحو الإبداع الشعري، ولمدى مطابقة وجهات النظر النقدية عند كل منهما لحقيقة الإبداع الشعري الخاص به.

قد يعجبك ايضا
جديد الكتب والإصدارات