عباس النوري يشكك بأحقية كتّاب الدراما بتصدر المشهد (نقلاً عن تشرين)

سلام الفاضل:

استضاف فرع دمشق لاتحاد الكتّاب العرب الفنان عباس النوري في حوار مفتوح جمعه بالجمهور سلط الضوء خلاله على محطات في حياته الفنية والشخصية والعامة، ثم أجاب عن أسئلة بعض الحاضرين فيما يتعلق ببعض القضايا الفكرية والفنية التي يعيشها المجتمع السوري اليوم، وقد حضر الحوار الدكتور محمد الحوراني رئيس اتحاد الكتّاب العرب، ود. إبراهيم زعرور رئيس فرع دمشق للاتحاد، وحشد من الجمهور، وأداره الإعلامي ملهم الصالح.
شكّر النوري بداية اتحاد الكتّاب العرب على إقامة مثل هذه الملتقيات لما لها من دور في الانفتاح على المستويات جميعها، وبيّن أهمية حضور الثقافة في هذه الآونة بالذات، لأن مواجهتنا هي مواجهة ثقافية وفكرية قبل كل شيء، وأكّد على غنى المشهد الثقافي السوري بأسماء مبدعة، يبقى لها الحق، على الرغم من اختلافاتنا معها، في قول ما تؤمن به وتعتقده؛ فالمبدعون يرون المجتمع وحكاياته من وجهات نظر مختلفة، وهذه هي الحياة في النهاية.
ثم ولج إلى مداخلته التي جاءت تحت عنوان عريض وهو (القصة) التي ينبغي، على حد تعبيره، عدم الاستهانة بها، وبثقافتها، والتي كان لها دور أساس في تشكيل وعيه المعرفي لاحقاً، إذ قال: “لقد كنت أثراً لقصص الجدّات والأمثال الشعبية التي نشأت في كنفها، والبيوت النائمة على بعضها البعض في عاصمة التفت دُورها بحميمية منذ الأزل، وهي دمشق. فأنا دمشقي، غير متحزب، أدين بدين الجميع، تحسست في كل ما وعيت عليه القصة والقصص؛ في والديّ وذويهم، وفي كل ما حولي”. وتابع كلامه موضحاً أن القصة لا حدود لثقافتها، وأثرها حتى إنها قد وُجدت في كل مفصل من مفاصل الحياة المتنوعة، وفي الكتب السماوية، والتاريخ الذي كان غنياً بها، وكتبها على رقم مسمارية، وأوابد أثرية لا تزال حاضرة حتى اليوم.
ورأى النوري في معرض حديثه أن الدراما هي أكثر أشكال القصة تأثيراً وجاذبية؛ فالمبدعون فيها لا يسعون إلى الإقناع، بل إلى التأثير الذي يستهدفونه عبر قراءة قصصهم على المتلقي لتترك أثراً. وموضحاً أن البعض قد يقرأ قصصاً مواربة خالية من الإبداع، فتخرج هذه القراءات دون صدق.
وميّز هنا بين الصدق والجرأة، حيث أكّد أن الصدق الحقيقي لا يكون بالأقسام والتعهدات على الكتب المقدسة، فهذا صدق مُحرج لصاحبه، بل إن الصدق الحقيقي يحتاج في مدخله ومخرجه إلى الحرية التي لا تعارضها شرطة التفكير، وقمع الأفكار، وإن قُمع الصدق سيتغير، ما سيُنتج ثقافة منفصلة عن الواقع، وقد تذهب بعيداً إلى درجة تزييف التاريخ. ولفت أيضاً إلى تأثير “وسائل السوشل ميديا” على المثقفين والمبدعين، إذ إنها فتحت الباب واسعاً لاختلاق القصص والأكاذيب والافتراءات والادعاءات، وأثّرت على مصداقية الأعمال الفنية كذلك، وساهمت في الحكم على نجاحها أو فشلها، دون الاعتماد على معايير واضحة، سوى جرأة بعضها من وجهة نظر روّاد هذه الوسائل كونها تتناول قضايا إشكالية كالفساد وسواه. وأردف قائلاً: “من وجهة نظري، إن الجرأة لا تصنع نجاحاً، بل شهرة، في حين أن الصدق، وفهم الظرف العام، والتعامل مع الواقع بقراءة جريئة هو من يصنع النجاح”.
انتقل النوري لاحقاً لسرد قصص وذكريات جمعته بوالديه وأصدقائه، وفتحت أمامه مداخل الوعي ليرى ويقرأ الحياة من زوايا مختلفة، ليصل تالياً إلى مرحلة الدراسة الجامعية، التي كانت مرحلة مفصلية في دورة حياته، إذ إنها ساهمت بشكل كبير في تبلور رؤاه الفكرية، ووجهات نظره في الحياة عامة، فهو في هذه المرحلة – وعلى حد تعبيره – مرّ على الأيديولوجيات جميعها، والأحزاب جميعها، واستمع إلى الجميع، وقرأ أفكار الجميع، كما فعل أبناء جيله كلهم حينها، ليجد نفسه أخيراً وقد أفرغ اهتمامه بالتركيز على شخصيات القادة السياسيين، والغوص في تفاصيلهم الجسدية، والحركية، والنطقية، ليكتشف مبكراً، أن معظمهم أصحاب قصص زائفة وغير صادقة، وهم يرتدون شخصيات الكتب في مناسباتهم، ليخرجوا ما حفظوه منها أمام المايكرفون، ويسارعون إلى مخالفة هذا الكلام عند غياب المنبر.
وأضاف: “إذاً دفعتني هذه القصص جميعها إلى الاهتمام بالمعرفة، فدرست وما زلت أدرس، وأرفض أن تنتهي دراستي بشهادة تُعلق على الجدار. وسعيت وما زلت أسعى كي يكون عملي وأدائي في خدمة المعنى والثقافة دون خوف. فالفن والثقافة والإبداع هم كشف للمعنى في كل قصة في الحياة أياً كانت، وأي معنى لا معنى له دون حرية، وليس المقصود هنا حرية التعبير، بل حرية التفكير، وهذه الحرية هي الرحم الحقيقي لأي منتج إبداعي؛ فألمع المبدعين في التاريخ هم أكثرهم استقلالية”.
وفي ختام حديثه وجّه الفنان عباس النوري رسالة إلى الكتّاب السوريين من على منبر فرع دمشق لاتحاد الكتّاب العرب، دعاهم فيها إلى تحمّل مسؤوليتهم مع المبدعين في الدراما عن غياب الأثر الثقافي فيها الذي وصل إلى هذا المستوى، موضحاً أن كل من يتصدر الكتابة في الأعمال الدرامية الآن، تجب إعادة النظر في أحقيته فيها.

قد يعجبك ايضا
جديد الكتب والإصدارات
العدد (1787) 9/18 /2022 م العدد (1786) 9/11 /2022 م الكون الكمومي والتزامنية.. دور الجوائح في مسيرة التقدم الإنساني إيقاع القصيدة العربية.. آفاق وبدائل استشراف أدب الخيال العلمي الخروج من النفق للراغبين بالمشاركة في ندوة جمعية المسرح في حلب عن عبد الفتاح قلعجي... العدد (1785) 9/4 /2022 م كنوز الأعماق الأدب التكاملي.. دراسة في التماثلات بين الأدب والفيزياء الحديثة وردة النص ظلّ المعنى الموقف الأدبي العدد (615 ) تموز 2022 العدد (1784) 8/28 /2022 م العدد (1783) 21/8/2022 العدد (1781) 7/24 /2022 م القدود الحلبية التراث العربي العدد 165 ربيع 2022 على خصرها "فارس الرؤيا الآخر" ناقد وخمسة عشر شاعراً الموقف الأدبي العدد (614 ) حزيران 2022 الفكر السياسي العدد 82 الربع الثاني لعام 2022 البعد الخامس العدد (1780) 7/3 /2022 م الموقف الأدبي العدد (612-613) نيسان - أيار 2022 العمل على تمكين الاتصال والتفاعل ثقافياً واجتماعياً وإعلامياً في فروع اتحاد الكتاب العرب قرار بتنظيم آلية النوادي الثقافية الشبابية العدد (1779) 6/26 /2022 م ثغر السماء بروفة جنرال.. لضوء في آخر النفق