بناءُ الوعي الغربيِّ الرافضِ للرّواية الصّهيونيّة والتَّجاهُـل العربيّ (نقلاً عن بوابة الشرق الأوسط الجديد)

على الرّغمِ من مأساويّةِ حربِ الإبادة التي يَشُنُّها الكيانُ الصّهيونيُّ على الشّعبِ الفلسطينيِّ في غزّة، لكنَّ هذه الحربَ نجحتْ في إحداث انقلابٍ كبير في الوعي والتفكير الـمُجتمَعيِّ الغربيّ، ولم يكُنْ هذا الانقلابُ مُقتصِراً على رُكنٍ من أركان تكوينِ الفكر والقناعةِ والثقافة في الغرب، بل تعدّاهُ ليأتيَ على مُعظَمِ أركانِ المنظومةِ الغربيّة.

وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على براعةِ الطّفلِّ والشّابّ والشّيخ والمرأة، في غزّةَ خصوصاً وفي فلسطينَ عُموماً، في نقلِ مظلوميّةِ الشّعبِ الفلسطينيّ، وما يتعرّضُ لهُ من حربِ إبادَةٍ غيرِ مسبوقةٍ في تاريخ الصِّراعِ العربيِّ الصّهيونيّ، على الرَّغمِ من حالةِ الحصارِ الطويلةِ التي سبقَتِ الحربَ على غزّةَ، وجَعلَتِ الشَّعبَ فيها عاجزاً عن نقلِ حقيقةِ ما يجري إلّا بأدواتٍ بسيطةٍ لا تتعدّى (كاميرات) الهواتفِ المحمولةِ الـمُتوافرةِ معَ أطفالٍ ونساءٍ وشُبّانٍ التقَطُوا صُورَ الثَّباتِ والإصرارِ والـمُقاوَمةِ والتَّمسُّكِ بأرض بلادِهم من فوقِ أنقاضِ بُيوتِهم ومدارسِهم ومساجدِهِم وكنائسِهم ومُؤسّساتِهِمُ المُدمَّرة، ومعَ هذا نَجَحُوا في كَسْبِ تأييدٍ كبيرٍ في المُجتمَعاتِ الغربيّةِ وبينَ الشُّعوبِ بمُختلِفِ مُكوِّناتِها وانتماءاتِها.

لقد أصبَحْنا اليومَ أمامَ حالةٍ مُختلفةٍ في التعاطي الغربيِّ معَ القضيّةِ الفلسطينيّة، بمعنى أنّ المُثقَّفَ والطالبَ والفنّانَ في كثيرٍ من المُجتمَعاتِ الغربيَّةِ هو المُدافعُ عن القضيّةِ الفلسطينيّةِ والمُتبنِّي عدالةَ قضيّتِها، بل إنّ بعضَ النّاشطينَ والمُحْتَجِّينَ على حربِ الإبادَةِ غَدَوا أكثرَ جُرأةً على انتقادِ الحربِ الصهيونيّةِ الإرهابيّةِ على غزّةَ، وأكثرَ إصراراً على المُطالبةِ بوَقْفِها ومُحاسبةِ القَتَلَة، وهذا ما حدثَ في مدينة “مالمو” السُّويديّة، في أثناءِ استضافَتِها مُسابقةَ الأغنيّةِ الأورُوبّيّة “يوروفيجن”، حيثُ احتشدَ الآلافُ من المُؤيِّدينَ للقضيّةِ الفلسطينيّةِ والمُطالبينَ بوَقْفِ حربِ الإبادة عليها، تَتقدّمُهُمْ ناشطةُ المناخ السُّويديّة “غريتا تونبرغ” مُرتديةً الكُوفيَّةَ الفلسطينيّة.

سنَجِدُ هذا الوعيَ والتضامُنَ أيضاً في أثناءِ ما حدثَ في حفلِ التَّخرُّجِ الذي أقامَتْهُ جامعةُ “ديوك” الأميركيّة بحُضورِ المُمثّلِ الكوميديِّ الأميركيّ “جيري ساينفليد”، إذ غادرَ عشراتُ الطُّلّابِ حَفْلَ التَّخرُّجِ احتجاجاً على حُضورِ المُمثّلِ الداعمِ للكيانِ الصّهيونيّ، كما أطلقَ طُلّابُ الجامعاتِ مقاطعَ احتجاجٍ مُصَوَّرَةً على وسائلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ ضدَّ “ساينفليد” الذي كانَ واقفاً إلى جانبِ رئيسِ الجامعة في أثناءِ إلقاءِ كَلِمَتِهِ، قبلَ أن يُجْبَرَ على وَقْفِ إلقائِها بسببِ صَيْحاتِ الاستهجانِ والاستنكارِ التي أطلَقَها طُلّابُ الجامعاتِ، وهم يَرفَعُونَ العلَمَ الفلسطينيّ، وقد انتقلتْ حملاتُ الاستنكارِ هذهِ إلى أماكنَ ومواقعَ اجتماعيّةٍ أُخرى، ومنها تطبيقُ “تيك توك”، إذ دُعِيَ المُستَخْدِمُونَ إلى ألّا يُشاهِدُوا فيلم (Unfrosted) “نتفليكس”، الذي شاركَ “ساينفليد” في بُطولتِه، وتولّى إخراجَه.

لن يقتصرَ هذا الاستنكارُ والاحتجاجُ على طَلَبَةِ الجامعاتِ والمُؤسَّساتِ الثقافيّة، بل سينتقلُ إلى احتجاجٍ على ما تقومُ بهِ المُؤسَّساتُ الإعلاميّةُ وكُبْرَياتُ الصُّحُفِ الغربيّةِ والأميركيّةِ من تدليسٍ وكذبٍ على قُرّائِها ومُتابعِيها بتقديمِ روايةٍ تتماهى معَ الرّوايةِ الصّهيونيّةِ حَوْلَ الحربِ على غزّة، ولهذا اعتصمَ عشراتُ المُواطِنينَ في المَقرِّ الرّئيسِ لصحيفةِ “التايمز” في قلبِ “نيويورك”، مُطالِبينَ بوَقْفِ طِباعَتِها بسببِ الزَّيفِ والكَذِبِ الذي تَحْمِلانِهما آراءُ كُتّابِها، وبسببِ الأخبارِ والتحقيقاتِ والحواراتِ المُتعلّقةِ بالحربِ على غزّةَ، مُطلِقينَ صحيفةً مُناقِضَةً لها لنَشْرِ المقالاتِ المُؤيِّدةِ للشَّعبِ الفلسطينيِّ والفاضحةِ للإجرامِ الصّهيونيِّ المدعومِ غربيّاً، إضافةً إلى نَشْرِها مَوادَّ ومقالاتٍ تفضحُ تلكَ المنشورةَ في صحيفةِ “التايمز”، وتُعرِّيها.

لقد نجحت المُقاوَمةُ والصُّمودُ الغزّاويُّ الفلسطينيُّ في إعادةِ الاعتبارِ إلى السَّرْدِيَّةِ الفلسطينيّةِ الحقيقيّةِ في وَعْيِ المُجتمَعاتِ الغربيّة، لكنَّ الواجبَ على المُؤسَّساتِ الإعلاميّةِ والدراميّةِ والتربويّةِ والتعليميّةِ جميعاً الاستفادةُ ممّا حدثَ ويَحدُثُ اليومَ في الجامعاتِ والمُجتمَعاتِ الغربيّةِ، وتقديمُ الرّوايةِ الصَّائبةِ والدَّقيقةِ لحقيقةِ ما يتعرّضُ لهُ الشّعبُ الفلسطينيُّ، وذلكَ من خلالِ الأحداثِ والمَواقفِ التي تَحدُثُ اليومَ في هذه المُجتمَعاتِ، ومن خلالِ المواقفِ الدَّوليّةِ المُنحازَةِ إلى القضيّةِ الفلسطينيّةِ والدَّاعمةِ لها، ومنها موقفُ جنوب إفريقية وبعض الدُّوَلِ في أميركا اللاتينيّة وسواها من دُوَلِ العالم.

إنّها الفُرصَةُ التاريخيّةُ التي ينبغي لنا اقْتِناصُها للإسْهامِ في بناءِ الوَعْيِ وتقديمِ الرِّوايةِ والحكايةِ الفلسطينيّةِ قبلَ أن نُصبِحَ خارجَ التاريخِ وخارجَ الإسْهامِ في صِناعَتِهِ وتَكْوِينِه.

قد يعجبك ايضا
جديد الكتب والإصدارات