النَّصُّ الغائب تجلّيات التّناصّ في الشعر العربي - محمّد عزَّام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 01:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
في المرحلة الثانية من حياته اضطرب البارودي في خضم الحياة السياسية، فشارك في الثورة العرابية

في المرحلة الثانية من حياته اضطرب البارودي في خضم الحياة السياسية، فشارك في الثورة العرابية. وشعره في هذه المرحلة يدور حول الدعوة الثورية التي تكشف فساد الحياة السياسية، في محاولة لإصلاح الأوضاع، وتحقيق آمال الشعب في حياة سياسية تقوم على الشورى، في ظل دستور ومجلس نيابي يقف في وجه التدخل الأجنبي، ويحد من طغيان الحاكم المستبد والحكومة والحاشية، وهو يصف استبداد الحكومة في عهد إسماعيل بقوله:

أهلُ العقولِ به في طاعةِ الخمَلِ

 

لكننا غرضٌ للشرّ في زمن

أدهى على النفس من بؤس على ثَكَلِ

 

قامتْ به من رجالِ السوء طائفةٌ

بُغضاً، ويلفظهُ الديوان من مَلَلِ

 

مِن كل وَغْدٍ يكاد الدستُ يدفعه

قواعدُ الملك حتى ظلّ في خللِ

 

ذلّت بهم مصرُ بعد العزّ، واضطربتْ

ومن الواضح أنه صاغها على مثال لامية الشنفري التي مطلعها:

فإني إلى قومٍ سواكم لأميلُ

 

أقيموا بني أمي صدورَ مطيّكمْ

وقد خلعت الدولة العثمانية الخديوي إسماعيل، وعهدت بحكم مصر إلى ابنه توفيق. فكان أسوأ من أبيه. ولهذا قال البارودي فيه:

لمن حلّ مغناها، ونهبٌ مقسّمُ

 

وما مصرُ- عمر الدهر- إلا غنيمة

ونالَ بها حظاً فصيحٌ وأعجمُ

 

تداولها الملاّكُ من كلّ أمةٍ

ولا ريعها إلا لمن شاءَ مغنمُ

 

فما أهلُها إلا عبيدٌ لمن سطا

ثم يفتخر بنفسه، ويعتز بكرامته، وترفعه عن الدنايا، ويستثير الهمم والعزائم، وكأنما يؤجج النار تحت الرماد:

شكالةَ الريثِ فالدنيا مع العجلِ

 

فبادروا الأمر قبل الفوت وانتزعوا

يكون درءاً لكم في الحادث الجللِ

 

وقلّدوا أمرَكم شهماً أخا ثقةٍ

فالحوتُ في اليمّ لا يخشى من البللِ

 

ولا تخافوا نكالاً فيه منشؤكم

منكم، وهل بعد قومِ المرء من بدلِ؟

 

هذي نصيحةُ من لا يبتغي بدلاً

أما المرحلة الثالثة من حياته فتبدأ بنفيه في جزيرة (سرنديب) حيث ظل سبعة عشر عاماً، ثم عاد إلى مصر، بعد إصدار عفو عنه. فأقام أربعة أعوام قبل وفاته.

وشعره في هذه المرحلة يدور حول ذكرياته في شبابه، وثورته، والبكاء على أهله وأصدقائه، واستخلاص العظات والعبر من تجربته الحياتية. ثم وصف غربته في منفاه، والآلام التي يعانيها:

أعالجُ ما ألقاهُ من لوعتي وحدي

 

أبيتُ عليلاً في سرنديب ساهراً

يريع لصوتي أو يرقّ لما أُبدي

 

أدورُ بعيني لا أرى وجهَ صاحبٍ

ثم ينتقل إلى استرجاع ذكرياته في (روضة المقياس):

فميلا إلى (المقياس) إن خفتما فقدي

 

خليليّ هذا الشوقُ لا شك قاتلي

على أثر اللذات في عيشةٍ رغدِ

 

ملاعب لهوٍ طالما سرتُ بينها

مع الدمع حتى لا تنهنهه بالرّدِ

 

إذا ذكرتها النفسُ سالت من الأسى

جديدٌ، وإذ لمياءُ صافيةُ الوّدِ

 

إذ العيشُ رّيانُ الأماليد، والهوى

4-معارضاته:

تأثر البارودي في شعره كله، وفي جميع مراحل حياته، بالتراث الشعري العربي، فترسم آثار الشعراء الأقدمين في معانيهم ومبانيهم، وفي تراكيبهم اللفظية وصورهم الشعرية. واتخذ من شعراء العصر العباسي مثالاً يحتذيه، وينسج على منواله، ويسجل إعجابه بشعرائه:

وأدرك لم يسبق ولم يأل (مسلمُ)

 

مضى (حسنٌ) في حلبة الشعر سابقاً

شهودُ المعاني بالتي هي أحكمُ

 

وباراهما (الطائيُّ) فاعترفتْ له

على ما تراه العينُ وشيٌ منمنمُ

 

وأبدعَ في القول (الوليدُ) فشعُرهُ

تبذّ الخطى، ما بعدها متقدمُ

 

وأدرك في الأمثال (أحمدُ) غايةً

سبقتُ إلى أشياء، والله أعلمُ

 

وسرتُ على آثارهم، ولربما

ومن الواضح أنه يذكر هنا أبا نواس (الحسن)، و(مسلم) بن الوليد، وأبا تمام (الطائي)، والبحتري (الوليد)(49)، والمتنبي (أحمد). وهم أمراء الشعر في العصر العباسي. ولا ينسى أن يضم نفسه إليهم، ويرى أنه ربما فاقهم بأشياء. وهذا يعني أن تأثره بهم قد أفضى إلى محاكاتهم، وأن محاكاتهم قد دفعته إلى معارضتهم، وأن معارضتهم لا تقف عند حد المحاكاة، وإنما ترغب في تجاوزهم فنيا. وتأثره بالمتنبي(50) شديد، لتقاربهما في النظر إلى الحياة، وإحساس كل واحد منهما بأنه شاعر فارس، وكأنما رأى البارودي في بيت المتنبي المشهور مثله الأعلى حيث يقول المتنبي:

والسيفُ والرمحُ والقِرطاسُ والقلمُ

 

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

اعتداد بالنفس، وثقة كبيرة، وطموح يطاول النجوم، وعودة بالشعر إلى فطرته الأولى، وتحريره من القيود البديعية التي كبلته أزماناً. ففي حين يقول المتنبي:

ن لساني يُرى من الشعراء

 

وفؤادي من الملوك وإن كا

فإن البارودي يقول :

نفسُ حُرّ ترى المذلّةَ كفرا

 

همّتي همّةُ الملوكِ، ونفسي

وحين يقول المتنبي:

حياضَ خوفِ الردى للشاءِ والنّعمِ

 

ردي حياضَ الردى يا نفسُ واتركي

فلا دُعيتُ ابنَ أمّ المجدِ والكرمِ

 

إن لم أذرْكِ على الأرماحِ سائلةً

ولو عرضتُ له في النوم لم ينَمِ

 

مَنْ لو رآنيَ ماءً ماتَ من ظمأٍ

فإن البارودي يقول:

ضَ، ولا يصحبُ الفتاةَ الرداحا

 

لهجٌ بالحروبِ، لا يألفُ الخفـ

تجعلُ الأرضَ مأتماً وصياحا

 

مِسْعَرٌ للوغى، أخو غدَواتٍ

سَ، وترنو لها العيونُ طماحا

 

يفعلُ الفعلةَ التي تبهرُ النا

وكما كان المتنبي يحلم بأن يعيد أمجاد أجداده العرب، ويعتمد قيم الفتوة، والنجدة، والمروءة ، والشجاعة، والكرم، مبادئ حياتية، فإن البارودي يحلم بالمجد نفسه، ويؤمن بالقيم نفسها:

فأصْحِرْ فإن البيدَ خيرٌ من المدنِ

 

فإن لم تجد في المدنِ ما شئتَ من قرى

شديد الحميا غير مغضٍ على دمنِ

 

صحارٍ يعيشُ المرءُ فيها بسيفهِ

وأما تأثره بأبي العلاء المعري(51)، وعلى الخصوص في (لزومياته) التي التزم فيها حرفاً أو أكثر قبل الروي، دلالة إلى مقدرته الفائقة في نظم الشعر، حيث (التزم ما لا يلزم)، فكذلك فعل البارودي، محاكياً إياه، وراغباً في إثبات جدارته الفنية فقال في قصيدة يتحدث فيها عن الخمرة:

على نغمات العود بابن سماء

 

ألا عاطنيها بنت كرم تزّوَجتْ

فالتزم فيها حرف الميم قبل حرف الردف (الألف الممدودة) التي تسبق حرف الروي (الهمزة المكسورة)..

وكذلك فعل في قصيدته التي يصور فيها حنينه إلى مصر، وهو في المنفى:

أم رسولٌ أدّى تحيةَ هند

 

أنسيمٌ سرى بنفحةِ رَنْدِ

فالتزم فيها حرف النون قبل الروي (الدال المكسورة)

وكذلك في قصيدته التي قالها في الزهد:

أبعدَ خمسينَ في الصبا أَرَبُ

 

إلامَ يهفو بحلمك الطربُ

فالتزم فيها حرف الراء قبل الروي (الباء المضمومة).

وهكذا في أكثر من موضع تلقانا هذه (اللزوميات) التي راح يقلد فيها أبا العلاء، ويحاول أن يجاريه، شاعراً أنه ليس أقل منه مقدرة فنية، وقد قاده هذا التأثر إلى محاكاة الشعراء الأقدمين في شعرهم وفخرهم وحتى في مجونهم، فقد حاكى امرأ القيس في وصف حصانه الذي قيّد الأوابد في معلقته، وسبق غيره إلى هذا المعنى، فقال البارودي في وصف حصانه:

فما تبين لـه شداً فتنخذل

 

يمرُّ بالوحش صرعى في مكامنها

خضرٌ جحافلُهُ، في خلقه مَيلُ(52)

 

زرقٌ حوافرُهُ، سودٌ نواظرُهْ

كما حاكى الشعراء الأقدمين في صورهم وتشبيهاتهم واستعاراتهم ومجازاتهم، فأكثر من الجناس والطباق والمقابلة والتورية والتصريع والترصيع، معيداً إلى الأذهان مذهب (البديع) عند أبي تمام الذي أكثر من المحسنات البديعية، فقال البارودي:

فزدني صدوداً ما استطعت ولا تألو

 

وصالك لي هجرٌ، وهجرك لي وصلُ

فلا حمت اللقيا ولا اجتمع الشملُ(53)

 

إذا كان قربي منك بعداً عن المنى

وهو يصف مصارع عشاق الخمرة، على الطريقة النواسية، في قوله:

له جسدٌ ما فيه روح سوى الخمر

 

فمن واقع يهذي وآخر ذاهل

فيشدو بكفيه إلى مطلع النسرِ(54)

 

صريعٌ يظن الشهبَ منه قريبةً

وهذا ما يذكرنا بخمريات أبي نواس في قوله:

واستقي دَمه من جوفِ مجروحِ

 

ما زلتُ أستلُّ روحَ الدنّ في لُطُفٍ

والدّنُّ منطرحٌ جسماً بلا روحِ(55)

 

حتى انثنيتُ ولي روحان في جسدٍ

ويقول البارودي في وصف داء الحب الذي أخذ بمجامع نفسه، محاكياً المتنبي الذي وصف الحمى في قوله:

وداؤُكَ في شرابك والطعامِ

 

يقولُ لي الطبيبُ أكلتَ شيئاً

أضرَّ بجسمهِ طولُ الجمامِ(56)

 

وما في طبّهِ أنّي جوادٌ

ويقول البارودي:

دائي الهوى، ولكل نفسٍ داءُ

 

فدعِ التكهنَ يا طبيبُ فإنما

نفسي، ودائي لو علمتَ دواءُ(57)

 

ألمُ الصبابةِ لذّةٌ تحيا بها

وتتمكن منه عبارات من خطبة الحجاج المشهورة في أهل العراق، والتي يقول فيها: "إني لأرى رؤسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها.." فيحاكيها البارودي في قوله:

فأين ولا أينَ- السيوفُ القواطعُ(58).

 

أرى أرؤسا قد أينعتْ لحصادها

ويقول أبو نواس في وصف الخمرة:

فتشابها، فتشاكلَ الأمرُ

 

رقّ الزجاجُ وراقت الخمرُ

وكأنما قدحٌ ولا خمرُ

 

فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ

فقال البارودي محاكياً إياه في وصف الخمرة:

فاشتبه الباطنُ والظاهرُ

 

جاءت وقد شاكلها كاسُها

ويزدهيني الليلُ والسامرُ

 

بمثلها تعجبني صبوتي

هذه المحاكاة هي المرحلة الثانية في تأثر البارودي بالتراث الشعري. وستليها مرحلة ثالثة هي (المعارضات) التي تأثر فيها البارودي بغيره من الشعراء السابقين، وحاكاهم، ثم حاول تجاوزهم والتفوق عليهم. بينما اكتفى في مرحلة (المحاكاة) بالنسج على غرارهم، دون محاولة التفوق عليهم. والأصل في (المعارضة) الشعرية أن ترتكز على غريزة المحاكاة (=المماثلة) من ناحية، وعلى غريزة المنافسة (=المقابلة) من ناحية أخرى. وهي بالإضافة إلى ذلك تتضمن الرغبة في التحدي وإظهار التفوق. فعندما يمهد البارودي لقصائد في (المعارضات) بقولـه: "قال يروض الشعر"، و"قال يروض القول". فإن كلمة (يروض) المأخوذة من الرياضة تتضمن معنى التحدي. والبارودي راغب بهذا التحدي، ومصرح به في قوله:

لباءَ بفضلي جرولٌ وجريرٌ

 

فلو كنتُ في عصر الزمان الذي انقضى

أجارةَ بيتينا أبوكِ غيورُ

 

ولو كنتُ أدركتُ النواسي لم يقل

ولم يقتصر البارودي في معارضاته على معارضة الشعراء العباسيين. فقد امتد بمعارضته إلى الشعراء الجاهليين، فعارض امرأ القيس(59) في قصيدته المشهورة التي مطلعها:

وهل يَعِمَنْ مَنْ كان في العصر الخالي

 

ألا عمْ صباحاً أيها الطللُ البالي

فقال البارودي قصيدته على نفس الروي والقافية، من منفاه، يتشوق إلى مصر:

وهل يعود سوادُ اللّمّة البالي

 

ردّوا عليّ الصبا من عصري الخالي

وعارض النابغة الذبياني(60) في قصيدته المشهورة:

عجلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزوّدِ

 

أمنْ آل ميّة رائحٌ أو مغتدي

فقال البارودي معارضا:

حيرانَ يكلأُ مستنيرَ الفَرْقَدِ

 

ظنّ الظنون فباتَ غير موسّدِ

وعارض عنترة العبسي (61) في معلقته المشهورة:

أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهّمِ

 

هل غادرَ الشعراءُ من متردّمِ

فقال البارودي معارضاً:

ولربّ تالٍ بذّ شأوَ مقدّمِ

 

كَمْ غادرَ الشعراءُ من متردّم

مستبدلا (هل) بـ (كم) بإجابة عن سؤال عنترة، ودليلا على تفوق اللاحق على السابق، ورغبة في إظهار تفوقه على الشعراء الذين يعارضهم.

وعارض تأبط شرا القائل:

ومرّ طيفٌ على الأهوال طراقِ(62)

 

يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ

فقال البارودي معارضاً، وهو في منفاه، يتشوق إلى مصر:

يشفي غليلاً أخا حزن وإيراقِ

 

هَلْ من طبيب لداء الحب أو راقي

أما باقي معارضاته فقد عارض فيها الشعراء العباسيين، فقد عارض المتنبي القائل:

مدرك أو محارب لا ينام

 

لا افتخار إلا لمن لا يضام

فقال البارودي معارضاً إياه:

وفؤادٍ قضى عليه الغرامُ

 

مَنْ لعينٍ إنسانها لا ينام

وعارض المتنبي أيضاً في قصيدته التي يمدح فيها سيف الدولة:

ماذا يزيدك في إقدامك القسمُ

 

عقبى اليمين على عقبى الوغى نَدَمُ

فقال البارودي معارضاً، ومفتخراً بفروسيته:

فالحكم للسيف إن لم تصدع الكَلِمُ

 

في قائم السيف إن عزّ الرضا حكمُ

وعارض المتنبي أيضاً في قصيدته التي يشكو فيها الزمان بقوله:

وأشكو إليها بيننا وهي جُنْدُهُ(63)

 

أودّ من الأيام ما لا تودّهُ

فقال البارودي معارضاً:

وأيُّ امرئ يقوى على الدهر زَنْدُهُ

 

رضيتُ من الدنيا بما لا أودُّهُ

(أودّ من الأيام ما لا تودُّهُ)(64)

 

وما أبتُ بالحرمان إلا لأنني

وعارض المتنبي أيضاً في قوله:

إذ حيث كنت من الظلام ضياء

 

أمن ازديادك في الدجى الرقباء

فقال البارودي معارضاً:

لو كان يملك عيني الإغفاء

 

صلةُ الخيال على البعاد لقاء

وعارض أبا نواس (65) في رائيته المشهورة في مدح الخصيب، والتي مطلعها:

وميسورُ ما يُرجى لديك عسيرُ

 

أجارةَ بيتينا غيورُ

فقال البارودي معارضاً:

وكلّ مشوق بالحنين جديرُ

 

أبى الشوق إلا أن يحنّ ضميرُ

وعارض أبا نواس أيضاً القائل:

لم تبق منك بشاشة تستامُ

 

يا دارُ ما فعلتْ بك الأيامُ

فقال البارودي معارضاً:

فعلى الصبا وعلى الزمان سلامُ

 

ذهبَ الصبا وتولّتِ الأيامُ

وعارض أبا نواس أيضاً في قوله:

بها أثر منهم جديد ودارس

 

ودار ندامى عطلوها وأدلجوا

فقال البارودي معارضاً:

 

وذي نخوة نازعته الكأس مَوْهناً

على غرة الأحراسِ والليلُ دامسُ

 

وعارض أبا تمام (66) في سينيته:

نقضي حقوق الأربع الأدراسِ

 

ما في وقوفك ساعةً من باس

فقال البارودي معارضا:

بين الخليج وروضة المقياس

 

هل في الخلاعة والصبا من باس

وعارض البحتري القائل:

وكم أدنتك من لوعة حزوى

 

لنا أبداً بثّ نعانيه في أروى وحزوى

فقال البارودي معارضاً:

فقلبي على حمل الملامة لا يقوى

 

أُقِلاّ ملامي في هوى الشادن الأحوى

وعارض أبا فراس الحمداني (67) القائل:

أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ

 

أراكَ عصيّ الدمع شيمتكَ الصبرُ

فقال البارودي معارضاً:

وأصبحتُ لا يلوي بشيمتي الزجرُ

 

طربتُ وعادتني المخيلة والسكرُ

وعارض الشريف الرضي (68) القائل:

ولولا العلى ما كنت في الحب أرغبُ

 

لغير العلا مني القلى والتجنّبُ

أو الكميت الأسدي (69) في بائيته المشهورة:

ولا لعباً مني، وذو الشيب يلعبُ

 

طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ

فقال البارودي معارضاً:

وغيري باللذات يلهو ويعجبُ

 

سواي بتحنان الأغاريد يطربُ

ويملكُ سمعيه اليراعُ المثقّبُ

 

وما أنا ممن تأسر الخمرُ لبّهُ

وعارض أبا الحسن التهامي في قصيدته التي مطلعها:

الشيبُ عندك ذنبٌ غيرُ مغتفرِ(70)

 

صددت إذ عاد روض الرأس ذا زهر

فقال البارودي معارضاً:

غنّتْ فحركتِ الأشجانَ بالوتر(71)

 

أربة العود أم قمرية السحر

وعارض ابن النبيه المصري (72) من شعراء العصر الأيوبي، في قصيدته التي مطلعها:

يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت

فقال البارودي معارضاً:

وعاودت بوصال بعدما صفحت

 

ماذا على قرّة العينين لو صفحت

وعارض البوصيري في قصيدته (البردة) المشهورة، والتي مطلعها:

مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدمِ

 

أمِنْ تذكّر جيرانٍ بذي سَلَمِ

فقال البارودي معارضاً:

واحْدُ الغمامَ إلى حيٍّ بذي سَلَمِ

 

يا رائدَ البرقِ يَمّمْ دارةَ العَلَمِ

ومن الملاحظ أن معارضاته كانت لشعراء من العصر الجاهلي
(4 شعراء) وشعراء من العصر العباسي (7 شعراء) وشعراء من العصور التالية (3 شعراء) فإذا عرفنا أنه عارض أربع قصائد للمتنبي، وثلاث قصائد لأبي نواس، كان مجموع القصائد المعارضة من العصر العباسي اثنتي عشرة قصيدة، مقابل سبع قصائد من عصرين آخرين. وهذا يعني أن نسبة القصائد المعارضة من العصر العباسي تقارب ضعف قصائد العصور الأخرى. ودلالة ذلك أن البارودي وجد في الشعر العباسي قمة لا تضاهيها قمة شعرية أخرى، فحاول معارضتها ليثبت مقدرته الفنية.

5-(التناص) في معارضاته:

تعني المعارضة أن ينظم اللاحق قصيدته على وزن قصيدة الشاعر السابق، وعلى قافيتها، وأن يعالج الموضوعات التي عالجها السابق، ويحاول محاكاته، ومن ثم التفوق عليه. ففي قصيدة البارودي:

وأيُّ امرئٍ يقوى على الدهر زَنْدُهُ

 

رضيتُ من الدنيا بما لا أودّهُ

التي يعارض فيها قصيدة المتنبي التي مطلعها:

وأشكو إليها بَيْننا وهي جُنْدُه

 

أودّ من الأيامِ ما لا تودّهُ

وكما لم يندفع الآمدي، قبل ألف عام، في (موازنته) بين شعر أبي تمام والبحتري، إلى الحكم النهائي بينهما، لأنه يحترم رأيه وحكمه وقارئه، وصرح في مواضع كثيرة من كتابه بأنه لن يقول أي الشاعرين أشعر، لا تهربا من الجواب، بل زيادة في الدقة والعدل، ولقد أراد أن يكون عمله النقدي نوعاً من المقارنة والموازنة، ثم يترك لصاحب الذوق السليم الحكم على الشعرين، يقول: "ولست أحب أن أطلق القول بأيهما أشعر عندي، لتباين الناس في العلم، واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين"(73).

فكذلك نحن لا نرغب في الحكم المتسرع على الشاعرين، وهما ما هما: قمتان في تراثنا الشعري: الأول انتهت إليه إمارة الشعر، أواخر العصر العباسي، إبان نضج الحضارة العربية، وبداية انهيارها فلم تُجْدِ صرخاته في وجه الدمار المحيق. والثاني بدأت به إمارة الشعر في بداية عصر النهضة، فأعاد للقصيدة العربية نضجها الفني ومجدها التليد.

ومما يدعونا أيضاً إلى الإحجام عن الحكم على الشعرين أن المناهج النقدية الجديدة كلها تكتفي بوصف العمل الأدبي، وتحجم عن تقييمه. وهذا ما نجده في النقد الألسني، والأسلوبي، والبنيوي، والسيميائي.. الخ. ومن هنا رغبتنا في عرض مواطن التشابه والاختلاف، والموازنة بينهما، وترك الحكم للقارئ بواسطة منهج نصي يتوخى دراسة الخطوات التالية:

1-الوزن والقافية

2-عدد الأبيات

3-عرض الموضوعات

4-اشتراك الشاعرين في الفكرة من خلال تناصهما. فالقصيدتان:

1- من وزن واحد، وقافية واحدة. وقد استخدم المتنبي (48) كلمة من قافية الدال (بعدد أبيات قصيدته). واستخدم البارودي (56) كلمة من قافية الدال (بعدد أبيات قصيدته). واشترك الاثنان في (37) كلمة في قوافيهما، وانفرد البارودي بـ (19) كلمة ليس لها مثل في قصيدة المتنبي.

2- تبلغ أبيات قصيدة المتنبي ثمانية وأربعين بيتاً، بينما تبلغ أبيات قصيدة البارودي ستة وخمسين بيتاً: فهي أكثر عدداً بثمانية أبيات.

3- عالج المتنبي في قصيدته أربعة موضوعات هي: شكوى الزمان (1-4)، وارتحال الظعائن وعليها الحبائب (5-8)، وطلب المجد والمعالي (9-15)، ومديح كافور (16-48). وعالج البارودي في قصيدته خمسة موضوعات هي: شكوى الحب والهوى (2-17)، شكوى الشيب (18-21)، شكوى الأصحاب (22-30) شكوى الزمان (31-43)، الفخر (44-55) بيت القصيد والحكمة (56).

4- يشترك الشاعران في شكوى الزمان. ولكنهما يختلفان في ما عدا ذلك ففي حين يصف المتنبي ارتحال الظعائن، ويطلب المجد والمعالي، لينتهي بمدح كافور (وهو غرض قصيدته) فإن البارودي يشكو الهوى والشيب والأصحاب، لينتهي إلى الفخر الذاتي (وهو غرض قصيدته) وإذا كان وصف الظعائن قد انعدم في حياة البارودي وكذلك انعدمت رغبته في المديح، فلم يبق له إلا أن ينظم في الموضوعات الأثيرة لديه، وهي ذم الزمان والأصحاب والشيب، بعد تجربته الحياتية العميقة، والفخر بذاته. ولهذا فلا مجال للموازنة بينهما سوى في عنصر واحد هو شكوى الزمان.

5- في (شكوى الزمان) قال المتنبي أربعة أبيات، رغب فيها من الأيام ما لا توده، وشكا إليها الفراق، ورغب منها إعادة الحبيب البعيد. وفي الموضوع ذاته قال البارودي أربعة عشر بيتا، بزيادة عشرة أبيات على المتنبي، شكا فيها الزمان، ورأى أن الإنسان أضعف من أن يقاوم الزمان، وذلك لأن السفلة  والأوغاد هم الذين يملكون مقاليد الأمور، وقد عاثت الثعالب فسادا في غيبة السباع . وسطت يد الجور فجعلت الناس أذلاء يتلون محامد الظالم في محافلهم. ويعيشون خاملين، يفرحون بأيام يعدونها. ويركعون أمام الضيم والذل. ومن الواضح أن عناصر الشكوى لدى البارودي كانت أكثر تنويعاً وأكثر قرباً من تجربته الحياتية المرة.

6- لجأ البارودي إلى أخذ الشطر الأول من مطلع قصيدة المتنبي المعارضة (أود من الأيام ما لا توده) فجعله شطراً ثانياً في قصيدته، ووضعه يبن قوسين مشيراً إلى المعارضة.

7- عناصر مدح المتنبي لكافور هي: وصفه إياه بالكرم، والشجاعة، والعفو. وقد استعاض البارودي بالفخر عن المدح، وبمن سيفخر سوى بذاته المتعملقة، كذات المتنبي، وقد جعل عناصر فخره الذاتي: الشجاعة، والإباء، والنسب، والرفعة، وكلها من صميم حياته، ومن صفاته.

8- تتناثر أبيات الحكمة في قصيدة المتنبي جميعها، وكلها يؤكد شكوى المتنبي من الزمان، ومن الهموم، ورغبته في المعالي والأمجاد. ومثله يفعل البارودي، فيتعالى على وضاعة أهل زمانه، وينهي فخره بذاته ببيت ينص فيه على الحياة الماجدة الكريمة، أو الموت بعزة. ولا حل وسط عنده بينهما.

ويعارض البارودي أبا نواس في قصيدته التي يمدح فيها الخصيب أمير مصر، والتي مطلعها:

وميسورُ ما يُرجى لديكِ عسيرُ

 

أجارةُ بَيْتينا أبوكِ غيورُ

فيقول البارودي معارضاً:

وكلُّ مشوق بالحنين جديرُ

 

أبى الشوقُ إلا أن يحنّ ضميرُ

والقصيدتان:

1- من وزن عروضي واحد، وقافية واحدة. وقد استخدم أبو نواس (39) كلمة من قافية الراء (بعدد أبيات قصيدته. عدا كلمة واحدة تكررت). واستخدم البارودي (39) كلمة من قافية الراء (بعدد أبيات قصيدته. كرر فيها ثلاث كلمات) واشترك الاثنان في (14) كلمة في قوافيهما. وانفرد البارودي بـ(22) كلمة ليس لها مثل في قصيدة أبي نواس. وهذا يعني قدرة على اجتلاب القوافي غير المطروقة.

2- بلغت أبيات قصيدة أبي نواس أربعين بيتاً، وبلغت أبيات قصيدة البارودي تسعة وثلاثين بيتاً، بفارق نقص بيت واحد في قصيدة البارودي عن مثيلتها(74).

3- عالج أبو نواس في قصيدته ثلاثة موضوعات هي: مخاطبة جارته (1-5 بما فيه وصف العقاب: 6-9) ومحاورته حبيبته (10-13)، ومدح الخصيب أمير مصر (14-23 و35-40)، ووصف رحلته إلى ممدوحه (24-34). ولعله جاء بوصف رحلته إلى ممدوحه في منتصف المديح، ليظهر مشقة السفر، فيكون أكثر تقديراً لهذه المشاق التي تكبدها الشاعر في سبيل الوصول إليه. وعالج البارودي في قصيدته موضوعين اثنين هما: وصف فتوته وشبابه ومغامراته الغرامية ومعاقرته الخمرة، بما في ذلك وصف الأطيار (1-25)، وفخره الذاتي (26-39).

4- اشترك الشاعران في مخاطبة الحبيبة، وافترقا فيما سوى ذلك، فلجأ أبو نواس لوصف رحلته إلى ممدوحه، وانتهى إلى مدح الخصيب (وهو غرض قصيدته). ولأن المديح بعيد عن خلق البارودي فإنه استعاض عنه بالفخر بذاته.

5- وفي حوار أبي نواس مع محبوبته وصف نظرته بنظرة العقاب، واستطرد في وصف العقاب في أربعة أبيات مستقلة. ثم صرح لها بأنه يرحل من أجل المال، بخلاف البارودي الذي لم يخاطب حبيبته، وإنما وصف نفسه وحبه ولهوه وسهره مع أصحابه في الخمائل حتى تناغت الأطيار. ثم استطرد في وصف الأطيار في ستة أبيات مستقلة، لينتهي إلى فخره الذاتي الذي تضمن عناصر القوة والفتوة والترفع والوفاء والثقافة ونظم الشعر والتفوق فيه. وهنا لم يكتف البارودي بالمعارضة/ المحاكاة، وإنما رغب في المعارضة/ التجاوز، مصراً بتفوقه على سابقيه من الشعراء:

 

فلو كنتُ في عصر الكلام الذي انقضى

لباء بفضلي جَرْوَلٌ وجريرُ

 

(أجارةَ بيتينا أبوك غيورُ)

 

ولو كنتُ أدركتُ النواسيّ لم يقلْ

وفضلي بين العالمين شهيرُ

 

وما ضرّني أني تأخرتُ عنهم

وبذَّ الجيادَ السابقات أخير(ُ76)

 

فيا ربما أخلى من السبق أولٌ

6- لجأ البارودي إلى أخذ الشطر الأول من مطلع قصيدة أبي نواس المعارضة (أجارة بيتينا أبوك غيور) فحوله شطراً ثانياً في قصيدته، ووضعه بين قوسين، مشيراً إلى المعارضة.

7- تضمن مديح أبي نواس للخصيب قيم المدح المعروفة آنذاك: الشجاعة والفصاحة والسيادة والكرم والمروءة والنسب وحتى الجمال. في حين استعاض البارودي عن المديح بالفخر الذاتي.

8- أنهى أبو نواس قصيدته ببيت يطلب فيه المال من ممدوحه، ويشكره إن أغدق عليه، فإن لم يفعل عذره. بينما أنهى البارودي قصيدته ببيت يرى فيه أنه إذا كان قد جاء تالياً فإنه بذ سابقيه، وتفوق عليهم.

ويعارض البارودي أبا فراس الحمداني في إحدى (رومياته) التي قالها وهو في أسره ببلاد الروم، وأرسلها إلى ابن عمه سيف الدولة، ليفتديه، ومطلعها:

أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟

 

أراك عصيَّ الدمعِ، شيمتُكَ الصبرُ

فيقول البارودي معارضاً إياه:

وأصبحتُ لا يلوي بشيمتي الزجرُ

 

طربتُ وعادتني المخيلةُ والسكرُ

والقصيدتان:

1- من وزن عروضي واحد، وقافية واحدة. وقد استخدم أبو فراس الحمداني (54) كلمة من قافية الراء، بعدد أبيات قصيدته (منها سبعة ألفاظ مكررة). واستخدم البارودي (25) كلمة من قافية الراء، بعدد أبيات قصيدته (منها 12 كلمة مشتركة بينه وبين أبي فراس). وانفرد البارودي بـ13 كلمة ليس لها مثيل في قصيدة أبي فراس. وهذا يعني قدرته على اجتلاب القوافي غير المطروقة.

2- بلغت أبيات قصيدة أبي فراس (54) بيتاً، وبلغت قصيدة البارودي
(25) بيتاً، بفارق (29) بيتاً لديه أقل من أبيات أبي فراس.

3-عالج أبو فراس في قصيدته ثلاثة موضوعات هي: حديث الحب والعذل (1-25)، والفخر الذاتي (26-37)، وأسره (38-54). وعالج البارودي في قصيدته موضوعين هما: حديث الحب (1-11)، والفخر الذاتي (12-25).

4- اشترك الشاعران في موضوعي: حديث الحب والفخر الذاتي. واختلفا فيما سوى ذلك. ومسوغ اشتراكهما في موضوعي الحب والفخر أن كلاً منهما فارس مقدام، وشاعر يجمع بين الفتوة والحب، ويؤمن بقيم النبالة والفروسية. ولهذا كان موضوعهما واحداً، لموافقته مشاعرهما النفسية.

5- في حديث الحب عند أبي فراس يتجلى الشوق والتصبر والدمع. وقد رمز أبو فراس إلى ابن عمه سيف الدولة بالحبيبة، وناجاه من خلال هذا الرمز، ووصفه بأنه غادر، يسمع أقوال الوشاة فيه، رغم أنه حارب من أجله، وفاء له. وفي حديث الحب عند البارودي بيان للوعته في الهوى، وتمكن الهوى من نفسه حتى كأنه قدر لم يستطع منه فكاكاً. وقد أسرّ حبه حياء وكبراً. أما الفخر الذاتي عند أبي فراس فيعتمد على قيمتي الشجاعة والكرم، وهما القيمتان اللتان نجدهما لدى البارودي في فخره الذاتي أيضاً، بالإضافة إلى إشارته إلى السلطة التي كانت في يده. ويفترق أبو فراس عن البارودي في حديثه عن أسره، ومعاناته فيه، وذكر شجاعته، ومحامده.

6- أنهى الشاعران قصيدتيهما بأبيات الحكمة والقصيد. وكل منهما أنهى قصيدته بثلاثة أبيات من الحكمة تختصر موضوعه، وتعرف بنفسيته وتجربته الحياتية. فأبو فراس يقول:

لنا الصدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ

 

ونحنُ أناسٌ لا توسّطَ بيننا

ومَنْ خَطَبَ الحسناءَ لم يغلها المهرُ

 

تهونُ علينا في المعالي نفوسُنا

وأكرمُ مَنْ فوق التراب ولا فخرُ

 

أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا

وهي من أبدع أبيات الفخر الذاتي والجماعي. ومثله فعل البارودي فأنهى قصيدته بثلاثة أبيات أيضاً، لكنها ليست في الفخر وإنما هي في الحكمة الناجمة عن التجربة المعيشة، والتي يرى فيها أن المرء ليس بخالد، وأن أيامه ليست سوى منازل يحل بها ثم يرتحل:

يُعَدُّ طليقاً، والمنونُ لـه أسْرُ

 

لعمرُك ما حيٌّ وإنْ طالَ سيرُهُ

يحلّ بها سَفْرٌ، ويتركها سَفْرُ

 

وما هذه الأيامُ إلا منازلٌ

ولكنه يسعى، وغايتُهُ العُمْرُ

 

فلا تحسبنَّ المرءَ فيها بخالدٍ

ويعارض البارودي النابغة الذبياني في قصيدته (المتجردة) المشهورة التي وصف فيها (المتجردة) زوجة الملك النعمان والتي مطلعها:

عجلان ذا زاد وغير مزود

 

أمن آل مية رائح أو مغتدي

فيقول البارودي معارضاً إياه:

حيرانَ يكلأ مستنير الفَرقدِ

 

ظنَّ الظنونَ فبات غيرَ موسّدِ

والقصيدتان:

1- من وزن عروضي واحد، وقافية واحدة. وقد استخدم النابغة في قصيدته (35) كلمة من قافية الدال، بعدد أبيات قصيدته (فيها كلمتان مكررتان). واستخدم البارودي (48) كلمة من قافية الدال، بعدد أبيات قصيدته (منها ثلاث كلمات مكررة). منها (15) كلمة جاءت عند النابغة، وانفرد البارودي بـ(33) كلمة. وهذا دليل على قدرته اللغوية.

2- بلغت أبيات قصيدة النابغة (35) بيتاً. وبلغت أبيات قصيدة البارودي
(48) بيتاً، بفارق (13) بيتاً زيادة للبارودي، وكأنما هي دلالة على رغبته في تجاوز سابقه.

3- عالج النابغة في قصيدته موضوعين هما: وصف الرحيل (1-5)، ووصف الغانية (6-35). وعالج البارودي في قصيدته ستة موضوعات هي: وصف الرحيل (1-10)، ووصف المحاسن (11-17)، وفتوته (18-21)، ووصف حصانه (22-33)، ووصف الخمرة ومجالسها (34-37)، ووصف الغانية (38-48).

4- اشترك الشاعران في موضوعيهما: وصف الرحيل، ووصف المحاسن. واختلفا في مضامين موضوعاتهما، فعلى حين كانت أبيات الرحيل قليلة عند النابغة ليخلص سريعاً إلى وصف غانيته، فإن أبيات الرحيل كثرت عند البارودي، ثم انتقل منها إلى وصف المحاسن. ورآها مناسبة لذكر فتوته، وشبابه، ووصف حصانه، ومجالس الخمر التي شهدها مع أصحابه، لينتهي إلى وصف غانيته.

5- في وصف الرحلة والرحيل ذكر النابغة الذبياني أثر الفراق على الأحبة، فيما ذكر البارودي، في الموضوع نفسه، تمكن الهوى من فؤاده. وفي وصف محاسن (المتجردة) وصف النابغة الذبياني سهام عينها وفتكها بالقلوب. ووصف نحرها، وعقدها الذي يزينه، وشبه قدها بالغصن، وبطنها (ذا العكن)، وروادفها (الريا)، وشبه بياضها بلون الشمس والدر والمرمر، وشبه بنانها بالعنم، وأسنانها بالبرد، ووصف عذوبة مقبلها أو ريقها، وشعرها الكثيف الفاحم، وانتهى إلى فرجها فوصفه بالسمن والشد والعض والحرارة، في خمسة أبيات ما يزال الشباب يرددونها في كل عصر، ويروونها أفحش ما قيل في أدب الجنس. وقد جاء هذا الوصف الجنسي حسياً عند النابغة بتأثير عصره الجاهلي، وطبيعة بيئته، وملاءمة ذلك مع كهولته التي تجاوزت مرحلة الخفر التي يبدو أن البارودي كان ما يزال يعيشها، بالإضافة إلى المعطيات الحضارية في مطلع العصر الحديث. وهذه كلها أسهمت في صرف البارودي عن الأدب الجنسي إلى أدب الغزل الرفيع، فقد وصف محاسن محبوبته: لحاظها، وشبابها، ونعومتها، وقدها، وكلها أوصاف معنوية تفضل الروح على الجسد، والمعنوي على الحسي. ولهذا انتقل البارودي إلى فتوته فوصف شجاعته، وحصانه، ومجالس الخمرة التي يشهدها مع أصحابه. وقد استغرق منه وصف حصانه اثني عشر بيتاً وصفه فيها بالضمور، والنشاط، كما وصف لونه بالبياض، وصهيله بضجيج الرعد، وشبهه بالذئب والأسد، ووصف سرعة جريه، وبأنه أفضل عتاد ليوم الكريهة.

أما فتاته فقد طرقها في موهن من الليل، فخافت الفضيحة، فطمأنها، ونفى روعها بمعسول الكلام، وظل يحادثها حتى الصباح، حيث اخترق صفوف حراسها، وسيفه يلمع في يده، دون أن يخشى أحداً.

ومن الملاحظ أنه أجاد في وصف فتوته وشجاعته ومجال أنسه ووصف فتاته، لأن هذه الأمور توافق هوى في نفسه، سواء بتأثير واقعه المعيش، أو بتأثير ثقافته التراثية المترعة بأمثال هذه الفنون، منذ امرئ القيس وطرفة في العصر الجاهلي، وحتى أبي نواس ومسلم بن الوليد في العصر العباسي، مروراً بعمر بن أبي ربيعة في العصر الأموي.

6- لم ينه النابغة قصيدته بحكمة ما، وإنما فعل ذلك البارودي وحده، فكان بيت القصيد عنده هو الذي يجمع تجربة الحياة، وحكمة الدهور التي تركزت عنده في أن المرء ليس بخالد، وهذا ما دعاه إلى اغتنام اللذائذ في شبابه قبل فوتها:

ونعيمه، والمرءُ غيرُ مخلّدِ

 

يرجو الفتى في الدهر طولَ حياته

ويمكننا إجمال ملاحظاتنا حول معارضات البارودي في الأمور التالية:

1- يتوخى البارودي في قصائده التي عارض فيها غيره اتباع القصيدة المعارضة وزناً وقافية، ولا يخرج على ذلك. ولكنه كان يتجاوز سابقه في عدد أبيات قصيدته، رغبة منه في إثبات تفوقه الشعري.

2- غالباً ما كان يتبع البارودي سابقه في موضوعاته: في المطالع الغزلية والطللية على الخصوص، وفي الموضوعات التي توافق هوى في نفسه، وانسجاماً مع شخصيته، وقد كان يأنف المديح والصغار، ويحبذ أحاديث الهوى والشباب والغزل ووصف الخمرة ومجالسها. كما كان يجيد التفتي والفخر الذاتي ووصف المعارك الحربية والمشاعر (التراجيدية) على طريقة أستاذه المتنبي. وهو يحبذ الحكمة فيجعلها تتناثر في أبيات قصيدته، أو يختم بها قصيدته في ما يدعى (بيت القصيد).

3- لم تكن المعارضة تلغي شخصية البارودي. فشخصيته بارزة بروزاً قوياً في شعره ومعارضاته. وقد أنقذ الشعر العربي من الأساليب الركيكة التي تردى فيها عصور الانحطاط ومطلع عصر النهضة، فرد إليه نبض العصر والقوم والشاعر، وجعله متنفساً حقيقياً لمشاعره الوطنية وعواطفه الذاتية التي هي في الأصل مشاعر معاصريه وعواطفهم، مما جعله رائد مدرسة الإحياء والتراث التي هيأت للنهضة الشعرية التي قام بها شعراء المدرسة الاتباعية (الكلاسيكية) الحديثة، وعلى رأسهم أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران. ممن عكفوا على قراءة الشعر العربي القديم، فحاكوا نماذجه المثلى في المحافظة على جزالة الأسلوب ورصانته، ومتانة العبارات مما جعل الجيل التالي لهم ينعتهم بـ(المحافظين).

رغم أنهم جمعوا بين التراث والمعاصرة. وعبروا عن مشاعر معاصريهم، وحياتهم الجديدة.

4-معارضات أحمد شوقي:

1-عصره:

بعد أن احتل نابليون مصر عام 1798 في حملته المشهورة، مكث فيها ثلاث سنوات. تنبه فيها الانكليز لخطورة قطع فرنسا الطريق على المستعمرات الانكليزية في الشرق الأقصى، فجردوا حملة بحرية طردت الفرنسيين، واحتلت مواقعهم في مصر، رغم أن البلاد كانت تحت حكم العثمانيين الذين اختاروا محمد علي باشا والياً عليها.

وعلى خلاف الاستعمار الانكليزي الذي يبقي الشعب على تخلفه وجهله، ويريده على إدمان المخدرات وسواها، فإن الاستعمار الفرنسي يحاول أن يغلف حكمه ببرشامة (التمدن)، فقد أنشأت حملة نابليون مجالس شورى باسم (الدواوين) تتألف من الأعيان والتجار والمثقفين، وأناط بها حق البحث في شؤون الحكم وفرض الضرائب. واستقدمت طائفة من العلماء في جميع مجالات العلوم، وأسست المجمع العلمي المصري على غرار المجمع الفرنسي، فانكب علماؤه يدرسون مصر، وكانت ثمرة ذلك تسعة مجلدات، طبعت في فرنسا
(1809-1825) باسم (وصف مصر)، وأنشأت داراً للتمثيل، ومعامل عنيت بالبحث العلمي التجريبي، وأجرت تجارب كيميائية رأى بعضها المصريون، فأعجبوا بها وبهتوا، كما وصف الجبرتي ذلك في تاريخه. كما أنشأت مكتبة ومطبعة تطبع بالحروف العربية منشوراتها وصحفها الدورية وبعض الكتب. وهذا كله لفت أنظار المصريين إلى ما وصل إليه الغربيون من تقدم علمي.

وقد كان محمد علي، والي مصر، راغباً في تحديث مصر، فعني بالجيش، وأراده أن يكون مثل جيوش الدول الكبرى عتاداً وقوة، فأنشأ المدارس الحربية والصناعية والهندسية والطبية، واستعان بالخبراء الأجانب، وأرسل البعثات إلى الغرب لتعود فتحل محل الأوربيين الذين استقدمهم، وافتتح مدرسة للألسن والترجمة، ومدارس ثانوية وابتدائية... وهذا كله حرض على ظهور نزعة وطنية نادت بشعار (مصر للمصريين). واشتعلت ثورة عرابي 1879 ضد الضباط الأتراك والجراكسة. فأسقطت وزارة نوبار، فاستعان الخديوي توفيق بحراب الانكليز على إخمادها. وخضعت مصر للاحتلال الانكليزي مباشرة، وحكمت بواسطة "مستشارين" إنكليز ووزراء من أصول تركية.

2-حياته:

ولد أحمد شوقي عام 1868 في بيت ثري، لأب ينحدر من أصول عربية وشركسية وكردية، وأم تنتمي إلى أصول تركية ويونانية. ونشأ في بيئة مترفة. وعندما أتم تعليمه الثانوي ألحقه أبوه بمدرسة الحقوق لدراسة القانون (قسم الترجمة)، فتخرج بعد عامين، وعينه الخديوي توفيق في القصر. ثم أرسله في بعثة إلى فرنسا لدراسة الحقوق، فدرس في (مونبلييه) عامين، وفي باريس عامين آخرين، حصل بعدها على الإجازة. وكان يشهد مسارح فرنسا، وزار لندن، وقرأ الشعراء الفرنسيين والرومانسيين.

وعندما عاد إلى مصر عين رئيساً للقسم الإفرنجي في القصر. وأصبح شاعر الخديوي عباس، فأمضى في عمله هذا عشرين عاماً، يمدح الخديوي، ويقصده طلاب الجاه والألقاب. وظل في هذه الفترة من حياته مشدوداً، بحكم وظيفته إلى القصر وصاحبه.

وعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى كان الخديوي عباس غائباً في تركيا. فمنعه الانكليز من دخول مصر، ووضعوا حسين كامل سلطاناً، وأبعدوا الموالين لعباس، ومن جملتهم شوقي الذي خيروه في اختيار منفاه، فاختار الأندلس، فنفوه إليها. وظل فيها هو وأسرته طوال الحرب. وهناك أخذ ينظم القصائد في أمجاد العرب التي اندثرت في الأندلس، ويذوب شوقاً وحنيناً إلى مصر.

وعندما انتهت الحرب عاد إلى مصر فبدأت الدورة الثانية في حياته، إذ لم يعد مرتبطاً بالقصر، فأصبح حراً طليقاً. وهيأ له ثراؤه أن ينعم بحريته، فخلص للشعر والشعب، وأخذ ينظم المطولات الشعرية والوطنية والدينية، ويغني ثورات الأقطار العربية. حتى توفي عام 1932.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244