رأي في مؤتمر الكتاب

       رأي في مؤتمر الكتاب

                                                        د. ناديا خوست

تفرض علينا المسؤولية نحو الحقيقة أن نوضح بعض ما جرى في مؤتمر اتحاد الكتاب الذي انعقد في 19/2/2019. فتفادي الخطأ واعتماد الصواب، حق آخرين بعدنا. لذلك كانت في قاعة مجلس اتحاد الكتاب مسجلّة توثق الجلسات، ولو بقيت لكانت مرجعاً للباحثين في المسائل التي تناولها كتاب لم يعودوا موجودين، منهم أنطون مقدسي وممدوح عدوان. ولأضاءت أيضاً شخصيات المعارضة الهشة التي كانت موجودة في مجلس الاتحاد ولم يحجب عنها أبداً حق الكلام.

سبب التوضيح، أيضاً، أن وسائل التواصل عرضت انطباعات عن مؤتمر الكتاب الأخير. وأضاف إلى التشويش، أن رئيس اتحاد الكتاب نشر ما سماه استقالته. ونشر مقالة تناقضها في جريدة البعث يبدو فيها كأنه ضحية، ولا يستصغر القول إنه أصبح "من دون وطن"، كأن الوطن منصب ومكتب. إن الغيرة على مؤسسة ثقافية عرفناها منذ كانت تحبو حتى أصبحت ذات مكانة، تدعونا لعرض رأينا، في جريدتها. وذلك في سياق التزامنا بالتوجه فقط إلى المركز السوري الوطني المعني بالسياسة الثقافية.  

نذكر أولاً أن اتحاد الكتاب منظمة التزمت بالاستراتيجية الثقافية السورية منذ كانت الدكتورة نجاح العطار وزيرة للثقافة. فاعتمدت الدفاع عن الثوابت الوطنية. وصاغت ميثاق الشرف للمثقفين العرب ضد التطبيع. ونظمت ندوات دفاعاً عن العراق وفلسطين والمقاومة اللبنانية، وندوات لمناهضة الصهيونية. واخترقت حصار العراق بطائرة قدمها لوفد الكتاب العرب السيد الرئيس بشار الأسد. وكانت أول من زار جنوب لبنان بعد تحريره مباشرة من العدو الصهيوني. واعتمدت في حياتها الداخلية نصيحة الرئيس حافظ الأسد يوم دشن بناء اتحاد الكتاب في المزة، فأجّرت قسماً من البناء لتؤمّن مقرات لفروعها، والتقاعد والضمان الصحي ومعونة الوفاة لأعضائها، وتنفق على نشاطها الثقافي وعلى المجلات والكتب التي تنشرها، والوفود التي ترسلها إلى منظمات الكتاب الصديقة والوفود التي تستضيفها.

ليس صعباً أن نستنتج إذن أن اتحاد الكتاب من المؤسسات الوطنية التي يستهدفها التفكيك والتطبيع، في محيطٍ يوظّف فيه مال النفط لاختراق الثقافة العربية، ويواكب التطبيع الثقافي جائحة التطبيع السياسي. يسلك الاختراق الصهيوني الخليجي سبلاً متنوعة، منها حشدٌ من الجوائز، ومنها الهبات المالية وأجور نشر الكتب والمقالات، ومنها الإغراء بالألقاب. تحيط جوائز الإمارات بمجالات النشاط الثقافي والاجتماعي من السياحة إلى اللغة وقراءة القرآن والمونودراما والتصوير الضوئي وغيرها. ويموّل المال القطري مركز بحوث وسينما وفنون تشكيلية. تغري جائزة البوكر العربية التي أسسها الصهيوني فيدينفيلد وتموّلها الإمارات، وجائزة نجيب محفوظ التي تقدمها الجامعة الأمريكية في مصر، بالكتابة عن الجنس والإثنيات والطوائف. وقد اجتمعت لجنة جائزة البوكر العربية في القدس المحتلة أمس لتعلن قائمتها المصغرة، في سياق التطبيع الثقافي الذي تقوده الإمارات. طويت إذن صفحة الكويت التي تنفق على نشر سلاسل الكتب والمجلات المكرسة لموضوعات جدية مبتكرة ومترجمة تستقطب كبار الكتاب العرب.

في هذه الظروف، تفترض مواجهة الاختراق وجود مركز واضح الرؤية، يعتمد استراتيجية ثقافية وطنية، ينشر أعمالاً كبرى جذابة، وأبحاثاً تجيب على أسئلة، ويحتضن فكر مقاومة التطبيع. وأين يمكن ذلك إلا في سورية؟! يوم تحدث الكتاب سابقاً عن العلاقة بين الثقافي والسياسي، كانوا كالطامح إلى جرّ السياسي إلى الثقافة. لكن الحرب بيّنت أن السياسي السوري الوطني تقدم على المثقف. فقد نبه الرئيس بشار الأسد إلى الفراغ الفكري، وضرورة مواجهة الفكر التكفيري، قبل أن تضع أية منظمة ثقافية تلك المسألة في مساحة البحث خلال الحرب. في هذا الضوء لاحظنا: أولاً، أن شعار التنوير الذي رفعته قيادة الاتحاد الجديدة منذ أتت سنة 2015، هو شعار خارج الواقع والزمن. فهو بديل عن ثقافة المقاومة وعن البحث في الفكر التكفيري. ثانياً، أن رحلات قيادة الاتحاد إلى الإمارات رافقها تجميد النشاط الثقافي في الاتحاد، وإغلاق نافذة بيع المجلات والكتب، وتقليص النشر. ثالثاً، موافقة رئيس الاتحاد على بيان الاتحاد العام للكتاب الذي عقد في الإمارات في 16-20/9/2017، ويشير إلى احتلالين في سورية، وقد نشر ذلك البيان في جريدة الأسبوع الأدبي دون تعليق عليه. والموافقة على بيانات اجتماع الاتحاد العام الذي عقد في دمشق في 13-15/1/2018 التي لم يمكن نشرها لأنها كتبت بقلم خليجي. رابعاً، غياب الاهتمام بأوجاع الشعب اليمني، فالحرب الوحشية لم تستحق موقفاً أو بياناً أو تضامناً من اتحاد الكتاب والسعي لموقف عربي ثقافي من تلك الحرب. خامساً، اختراق السياسة السورية التي تمنع استخدام الفلسطينيين في المنافسات والمسائل الداخلية كيلا ينشغلوا عن قضيتهم الكبرى. سادساً، لم تنعكس الاستثمارات الجديدة على أعضاء الاتحاد، بل على قيادة الاتحاد. وقد حصل الاتحاد من المستثمرين عندما عدّل الاتحاد الاتفاق، تحت ضغط الكتاب، 37 مليون ليرة. سابعاً، لاحظنا أن بعض طالبي الانتساب يحمل هدايا لرئيس الاتحاد مباشرة أو من خلال معاونه عضو المكتب التنفيذي. وأن بعض من قبلت عضويته في الاتحاد غير مؤهل لذلك. ثامناً، لم تقدم قيادة الاتحاد للمؤتمر العام الأول أوراقاً عن عملها وخطتها ونفقاتها. وفي المؤتمر الثاني قدمت تقريراً مالياً موجزاً غير دقيق. ومثله للمؤتمر الأخير أمس. تاسعاً ماطلت قيادة الاتحاد في عقد المؤتمر العام سنة 2018 لأنها توقعت أن الكتاب سينتقدون نهجها في المؤتمر. وعندما فُرض عليها عقد المؤتمر، أجمعت كلمات الكتاب على طلب سحب الثقة منها. لكن الدكتور مهدي دخل الله الذي قاد المؤتمر، خلافاً لجميع مؤتمرات الاتحاد السابقة، وخلافاً للنظام الداخلي، منع التصويت على سحب الثقة من قيادة الاتحاد. عاشراً، نشر رئيس الاتحاد السيد نضال الصالح مقالة في الأسبوع الأدبي في 4/ 11/2018 عنوانها "لبيك تل أبيب" رأى الكتاب أنه مقصود بذاته، وأنه يهدف إلى خرق "الجدار النفسي" في بلد يناهض التطبيع، في منظمة اعتمدت بقرار من مؤتمرها العام أنها لن تعترف بكيان العدو. حادي عشر، رأى الكتاب أن الجائزة المالية الإماراتية التي قدمت لرئيس الاتحاد، والجائزة التي تمولها الإمارات وقدمت للسيد حسن حميد، هي ثمن تجميد مؤسسة ثقافية نشيطة. ثاني عشر، زارت دمشق مجموعة كبيرة من المثقفين والكتاب الأردنيين المعادين للتطبيع، المتضامنين مع سورية، لتعقد ندوات مع الكتاب السوريين عن الثقافة الوطنية، فاستقبلتهم قيادة الاتحاد استقبالاً بارداً، ولم تدعُ الكتاب إلى اللقاء بهم، ولم تنظم الندوات المشتركة المقترحة، وفرضت عليهم لقاء حزبياً. وانشغلت عنهم بسفرها إلى الإمارات.

كانت العادة في جميع مؤتمرات الكتاب أن يحضر الجزء الاحتفالي من المؤتمر ضيوف من السياسيين والصحفيين، ثم ينسحبون ليبحث الكتاب التقارير. وكانت العادة أن توزع تقارير المؤتمر على أعضاء اتحاد الكتاب قبل أسبوعين على الأقل. وأن تعرض ما أنجزه المكتب التنفيذي، والخطة المقترحة، والتقرير المالي. لكننا لاحظنا في المؤتمر: 1 - اختراق هذا المبدأ بدعوة الدكتور مهدي دخل الله إلى المنصة ليشارك في قيادة المؤتمر. 2 - توزيع التقرير موجزاً على باب قاعة المؤتمر، لا قبل ذلك. 3 - كانت العادة أن يتحدث الكتاب في المؤتمر عن الأوضاع العامة ووضع الاتحاد، والطموحات والاقتراحات. لكن قيادة المؤتمر منعت الكتّاب من الكلام، وحصرته بالتقرير المالي الموجز. 4 - حشدت قيادة الاتحاد عشرين شخصاً تقريباً ليسوا أعضاء في الاتحاد، مهمتهم أن يقاطعوا من يتكلم من الكتاب ويدلوا بأصواتهم إذا قرر التصويت. منهم مثلاً ديانا فارس الموظفة في دبي التي قامت بمهمة الشغب ومقاطعة الزميل حسام خضور ومقاطعة الزميلة مريم خيربك.

في بداية المؤتمر طلب الزميل حسام خضور الكلام في أمر يتعلق بمسألة تنظيمية. فمنع من الكلام حتى فرض الكتاب الاستماع إليه. تحدث بهدوء واتزان عن قضية رئاسة المؤتمر. وبيّن أن رئيس الاتحاد السيد نضال الصالح لم يعد مؤهلاً لقيادة مؤتمر الكتاب بعد مقالته "لبيك تل أبيب"، وبعد أن أدانه مجلس التأديب الجامعي بالتزوير (1). لأول مرة، في تاريخ مؤتمرات اتحاد الكتاب تطلب قيادة المؤتمر طرد كتاب معروفين من القاعة لأنهم اعترضوا على منعهم من الكلام! ولأول مرة يقاطَع الكتاب الذين حاولوا الكلام! ولأول مرة تسخر قيادة المؤتمر من كتاب وأساتذة جامعيين تحملوا حصار حلب، وتنسبهم إلى مناطقهم في استعلاء! ولأول مرة ترفض المنصة التصويت السري (2).

طبيعي أن يتوجه الكتاب الذين منعوا من الكلام في شؤون منظمتهم ونهجها ومصيرها، ومنعوا من إدانة التطبيع، إلى المرجع الوطني الرفيع الذي يحترمه السوريون ويثقون فيه. وطبيعي أن تطبق سياسة الدولة السورية التي قدمت التضحيات الكبرى مدافعة عن سيادتها. فيستبعد من قيادة اتحاد الكتاب من ارتكب الأخطاء السياسية والتنظيمية الفادحة. في سورية التي قال فيها الرئيس حافظ الأسد كلمته البليغة: ليس في سورية من يقبل ذلك، ليس في سورية من يستطيع ذلك، لا يباح لشخص أن يعنون مقالته "لبيك تل أبيب"! موقف السياسة السورية من التطبيع واضح كالشمس. وخرق "الجدار النفسي" مرفوض، مرفوض.

يسجل للرئاسة السورية بأحرف من نور وضوء الاهتمام بالثقافة في خضم المسائل الكبرى والظروف المعقدة التي تشغلها لحماية سلامة الوطن. وإزاحة من تجرأ في سورية على كتابة "لبيك تل أبيب"، لاستعادة نهج مؤسسة ثقافية وطنية. واختيار الزميل مالك صقور المعروف بنزاهته واستقامته. لن يفيد من الدرس من يبيع نفسه للمال الخليجي. لكن الدرس الحقيقي هو أن سورية لا تخيّب أبداً مقاومي التطبيع مع العدو، وأن سوق النفط لا يشتري إلا صغار النفوس (3).

هوامش:

1 - في رأي كثير من الكتاب أن السيد نضال الصالح كوفئ بنيابة رئيس الاتحاد العام حبيب الصايغ لأنه تجرأ على كتابة ذلك العنوان في سورية التي لا تزال تواجه حرباً دولية عليها تشارك فيها إسرائيل. فليست مصادفة أن يسافر مع حبيب الصايغ من الإمارات إلى مصر ويكتب مباشرة بعد عودته ذلك العنوان.

2 - كان يفترض، لو سار المؤتمر في سياقه القديم، أن يحيي الجيش السوري الذي يواجه ببسالة حرباً غربية يغطي عصاباتها مال النفط. وأن يدين المؤتمر الحرب الوحشية السعودية الإماراتية الصهيونية الأمريكية على اليمن. ويدين الهرولة الخليجية إلى التطبيع مع العدو. وأن يحيي الشعب الفلسطيني الذي يواجه صفقة القرن.

3 - التفاصيل التي تحمّلها الكتاب من قيادة الاتحاد كثيرة. منها نهج الكذب، إغلاق فرع دمشق سنة كاملة لأنه تميز بنشاطه الثقافي وعلاقاته الجيدة بالكتاب، تقسيم الهيئات على أساس معي أو ضدي، هدر مال الاتحاد في الرحلات والأسفار والتعويضات وإنفاق مفتوح باسم البنزين، محاولة تأجير الاتحاد نفسه وإلغائه كموقع، إغلاق نافذة بيع الكتب، التقارب مع جماعة عبد الحليم خدام، إقفال مقسم الهاتف كلما رحلت قيادة الاتحاد إلى الإمارات، التعميم على موظفي الاتحاد ألا يدخلوا مكتب نائب رئيس الاتحاد، منع دعوة من ينتقد رئيس الاتحاد إلى المؤتمر، اعتماد الصغائر وايذاء الكتاب، استخدام إعلاميين لقاء المال.

 

 

عدد القراءات : 15412