في الحاجة إلى الفعل الحضاري التنويري … الأخطاء تجعل الإنسان عاجزاً عن أي فعل نهضوي

في الحاجة إلى الفعل الحضاري التنويري … الأخطاء تجعل الإنسان عاجزاً عن أي فعل نهضوي

جريدة الوطن 2016-03-16

| محمد الحوراني

في أواخر القرن الثامن عشر (1784م) كتب الفيلسوف الألماني كانط مقالته الشهيرة: ما الأنوار؟ عبر نصٍّ قصير لمّا يزل غامضاً على حد تعبير ميشيل فوكو. في هذا النص دفع كانط بالتساؤل الجوهري إلى الواجهة: ما الأنوار؟ وأجاب كانط: بأن الأنوار هي حالة خروج الإنسان من قصوره الذي هو مسؤول عنه في الدرجة الأولى. قصورٌ يعني عجزه عن استعمال عقله من دون توجيهٍ من أحد. ولا يكمن سبب القصور هذا في العقل، بقدرِ ما هو كامنٌ في الافتقار إلى القرار والشجاعة في استعماله من دون إشراف غيره، فمحاولة الخروج من حالة ما وفق قوالب مسبقة الصنع لا تكون تنويراً، بقدر ما هي إمعان في الماضوية وفق أقنعة جديدة قد يُلبسها صاحبها لبوس الحداثة من غير أن يكون حداثياً أو راغباً في الفعل النهضوي. إذا فالتنوير، في المقام الأول، هو خروج الإنسان من قصوره الفكري، الناجم عن عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر.
ولعل الكسل والجبن هما علة بقاء البعض من الناس عاجزين وقاصرين طوال حياتهم فكرياً ومعرفياً وحضارياً، رغم أن الطبيعة حرّرتهم منذ زمن طويل من كل سلطة ووصاية خارجية وغريبة عليهم. إن مبدأ التنوير الذي يجب الانطلاق منه هو: «كن شجاعاً واستخدم عقلك بنفسك! وثمة إرهاصات تنويرية وإصلاحية عرفها التاريخ المعرفي العربي والإسلامي، إرهاصاتٍ لاقت قبولاً، أحياناً، لدى البعض ورفضاً لدى البعض الآخر، أو أنها لاقت تخويناً لأصحابها عند بعض المنغلقين على ذواتهم وأفكارهم والرافضين لأي فعل ثقافي استنهاضي يُخرج الأمة من واقعها المأزوم ويرتقي بها إلى المكانة التي ينبغي أن تكون فيها منذ زمنٍ بعيد.. إلا أن تلك الإرهاصات والحركات مُنيت بنكسات كثيرة ولم تستطع القيام بما يجب عليها القيام به، ولعل التحديات التي يواجهها العرب ومشاريعهم، وحرصُ البعض منهم، ولاسيما من مثقفيهم، على نشر الفكر الظلامي الذي يزدري العقل، ويحرص على سيادة ذهنية الاتباع والاجترار، كانت من أهم العوائق التي اصطدم بها المشروع النهضوي والتنويري فضلاً عن عوائق أخرى لا تقل أهمية عما ذُكر. والحقيقة إن التأمّل في مشروع كانط للتربية، وعلاقته بمشروعه الأخلاقي، يجعل الانطلاقة نحو التنوير أكثر فعالية وإمكانية للنجاح، وهو مشروع يُخرج من الوصاية والاتّكال على الآخر، ويحقق لنا حرّيتنا التي تبني مستقبلنا، كما أنه يجعل من التربية الركن الأساسي للنهوض المعرفي والتنوير الحقيقي.. صحيحٌ أن ثمة عوائق وموانع تمنع مشاركتنا ومساهمتنا في الفعل المؤثر والبنّاء، إلا أنها حدودٌ وعوائق موجودة في أذهاننا قبل وجودها في أي مكان آخر، وتتمثل هذه العوائق في فهمنا للحقيقة الإجرائية والمجدية والفعّالة على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والحضاري.
ولاسيما أننا نعيش انفصالاً جنونياً ومدمّراً اليوم.. وسيرفضنا العالم إن لم نحرّك سواكننا، ونعمل على إعمال عقولنا، وتخليصها من إعاقتها التي كنا نحن المُتسبب الأول فيها، أو بقينا نفكّر حسب أنماط قروسطية مغرقةٍ في التخلف والرجعية والماضوية. إننا بأمسِّ الحاجة في هذه اللحظة التاريخية الراهنة إلى صياغة مشروع حضاري نهضوي عربي جديد، مشروع يستنهض الهمم ويُعلي من قيمة العقل ويقدسُه، ذلك أنه لا سبيل إلى انتصارنا على المشروع الاستعماري الغربي والمشروع الصهيوني والمشروع الإرهابي التكفيري الذي يعصف بالمنطقة العربية، إلا بتحقيق المشروع الحضاري التنويري العربي، وهو مشروعٌ يتطلب مزيداً من تقوية دعائم الفكر التاريخي والتاريخ المقارن، حيث تساعد معطيات التاريخ المقارن على سبيـل المثال في تحديد الأحكام والتصورات الإطلاقية المهيمنة على آليات تفكيرنا.. صحيح أن إنجاز ثورة ثقافية في فكرنا يتطلب جهوداً متواصلة في باب استيعاب نتائج الثورات المعرفية والعلمية التي تبلورت في الفكر المعاصر، إلا أن هذا الأمر الذي نتصور إمكانية تحققه في المدى الزمني المتوسط لا ينبغي أن يجعلنا نتوقف عن استكمال مهام الحاضر المستعجلة المتمثلة في مشاريع تطوير منظوماتنا في التربية والتعليم، إضافة إلى تشجيع البحث العلمي الحقيقي القادر على إيقاظ العقل من سباته وتخليصه من تبعيته، فضلاً عن توسيع مجالات ودوائر الاستفادة من نتائجه وآفاقه في المعرفة والمجتمع والاقتصاد الخ، ولاسيما أن هذه المعارك هي الخطوة التمهيدية والانطلاقة الأولى نحو المشاريع النهضوية والفكر الحرّ. فثمة حاجة ماسّة لتكوين وخلق العقل النقدي الذي لم يتكون لدينا بعد، ولا يتكون العقل النقدي إلا بالتعامل مع المفاهيم وليس مع الألفاظ وهذه هي الثورة الحقيقية التي يجب العمل عليها، وعندما نصل إلى هذا الحد نستطيع أن نضع حدّاً لكل خطأ، وبالتالي يمكن إنهاء الخطأ الذي يوّلد أخطاءً كثيرة تجعلنا مكبلي الفكر والممارسة، فالأخطاء تجعل من الإنسان عاجزاً عن أي فعل نهضوي وبالتالي تدفعه إلى الاستقالة النهائية من معركة الفعل الحضاري المؤثر.
إن عملية النهوض المعرفي والحضاري لا يمكن أن تتم إلا بسعي الدول والأحزاب والأفراد بوساطة الإنتاج المادي والرمزي والتنظيم السياسي إلى إرساء مشروعية نظرية وعملية مستحدثة، وذلك بتحقيق قيم التنوير في المنطقة العربية أي دعم العقلانية، وتطوير التقدم والتسامح ونمو الحرية وتحقيق السعادة وتجسيم الإنسانية والاقتراب من الكمال الإنساني، بفضل العلم والتقنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، اقتداء بالأوروبي أو ممانعة له. وليست عبارات «اقتداء» «ومحاكاة» و«ممانعة» مرسلة بل إنها تلخص النحو المخصوص لنوع التعاطي ما بعد الكولونيالي مع صلة أوروبا بخارج أوروبا، «فالاقتداء» نعني به ما يجمع «صلة التابع» (Subalternity) بالغالب، وهي تعود -كما هو معلوم- إلى المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي منذ 1934- 1935.
والاقتداء عربياً تعني الاستفادة مما هو إيجابي وتعزيزه في المشهد الثقافي والمعرفي والفكري، بعيداً عن كل ما من شأنه أن يعمّق ثقافة التخوين والتأثيم والتفسيق، ذلك أنه من المستحيل نسخ حركة الأنوار الأوروبية، ولاسيما أنها كانت مشروطة بسياقات معيّنة ومقاصد معيّنة وبإرادة معيّنة. وإذا كان العرب مطّلعين على مفاهيم الأنوار وعلى شروط التقدّم والمعقولية، فما الذي يعوّقهم عن المشاركة في حركة العالم وفي تجاربه، وعن الدفاع عن مصالحهم المختلفة؟ وما الذي يصرفهم عن التجديد وعن تحقيق مبدأ التسامح والعدالة المنشودة؟ إن الرغبة الصادقة في تحقيق الفعل الثقافي والتنويري لن تكون إلا بالتحرر من الموروث الثقافي والتاريخي الذي يذكي الصراعات بين الأمم. فالحروب لا تقطع العلاقات بين أبناء الشعب وتعزز انقسامهم فقط، وإنما تشعل معارك ومشاجرات عنيفة بين المثقفين المؤيدين والمعارضين للحرب. وكلمة «فوق المعركة» لا تحيل على الانفصال والحياد وإلغاء الروابط والولاءات فقط، بل إنها تُحيل أيضاً على مسافة للسمو فوق الخلافات لمصلحة الوطن والإنسان، لأن الوطن والإنسان والعقل من أهم الركائز الأساسية في أي فعل ثقافي أو تنويري.

 

عدد القراءات : 1234